أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّكَ امْرُؤٌ أَنْزَلَكَ اللَّهُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ بِمَنْزِلَةٍ خَاصَّةٍ ، وَحَفِظَ مَوَدَّةَ مَا اسْتَرْعَا كَ مِنْ دِينِهِ ، وَمَا أَلْهَمَكَ مِنْ رُشْدِكَ ، وَبَصَّرَكَ مِنْ أَمْرِ دِينِكَ بِتَفْضِيلِكَ إِيَّاهُمْ ، وَبِرَدِّكَ الْأُمُورَ إِلَيْهِمْ .
كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ أُمُورٍ كُنْتُ « 1 » مِنْهَا فِي تَقِيَّةٍ ، وَمِنْ كِتْمَانِهَا فِي سَعَةٍ ، فَلَمَّا انْقَضى سُلْطَانُ الْجَبَابِرَةِ ، وَجَاءَ سُلْطَانُ ذِي السُّلْطَانِ الْعَظِيمِ بِفِرَاقِ الدُّنْيَا الْمَذْمُومَةِ إِلى أَهْلِهَا الْعُتَاةِ عَلى خَالِقِهِمْ ، رَأَيْتُ أَنْ أُفَسِّرَ لَكَ مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ ، مَخَافَةَ أَنْ يَدْخُلَ الْحَيْرَةُ عَلى ضُعَفَاءِ شِيعَتِنَا مِنْ قِبَلِ جَهَالَتِهِمْ ، فَاتَّقِ اللَّهَ - عَزَّ ذِكْرُهُ - وَخُصَّ بِذلِكَ « 2 » الْأَمْرِ أَهْلَهُ ، وَاحْذَرْ أَنْ تَكُونَ سَبَبَ بَلِيَّةٍ عَلَى الْأَوْصِيَاءِ ، أَوْ حَارِشاً عَلَيْهِمْ بِإِفْشَاءِ مَا اسْتَوْدَعْتُكَ ، وَإِظْهَارِ مَا اسْتَكْتَمْتُكَ ، وَلَنْ تَفْعَلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ إِنَّ أَوَّلَ مَا أُنْهِي إِلَيْكَ : أَنِّي أَنْعى إِلَيْكَ نَفْسِي فِي لَيَالِيَّ هذِهِ ، غَيْرَ جَازِعٍ ، وَلَا نَادِمٍ ، وَلَا شَاكٍّ فِيمَا هُوَ كَائِنٌ مِمَّا قَدْ قَضَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَحَتَمَ ، فَاسْتَمْسِكْ بِعُرْوَةِ الدِّينِ آلِ مُحَمَّدٍ ، وَالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى الْوَصِيِّ بَعْدَ الْوَصِيِّ ، وَالْمُسَالَمَةِ لَهُمْ وَالرِّضَا بِمَا قَالُوا ، وَلَا تَلْتَمِسْ دِينَ مَنْ لَيْسَ مِنْ شِيعَتِكَ ، وَلَا تُحِبَّنَّ دِينَهُمْ ؛ فَإِنَّهُمُ الْخَائِنُونَ الَّذِينَ خَانُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَخَانُوا أَمَانَاتِهِمْ ، وَتَدْرِي مَا خَانُوا أَمَانَاتِهِمُ ائْتُمِنُوا عَلى كِتَابِ اللَّهِ ، فَحَرَّفُوهُ ، وَبَدَّلُوهُ ، وَدُلُّوا عَلى وُلَاةِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُمْ ، فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ .
وَسَأَلْتَ عَنْ رَجُلَيْنِ اغْتَصَبَا رَجُلًا مَالًا كَانَ يُنْفِقُهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَلَمَّا اغْتَصَبَاهُ ذلِكَ لَمْ يَرْضَيَا حَيْثُ غَصَبَاهُ ، حَتّى حَمَّلَاهُ إِيَّاهُ كُرْهاً فَوْقَ رَقَبَتِهِ إِلى مَنَازِلِهِمَا ، فَلَمَّا أَحْرَزَاهُ تَوَلَّيَا إِنْفَاقَهُ ؛ أَ يَبْلُغَانِ بِذلِكَ كُفْراً ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ نَافَقَا قَبْلَ ذلِكَ ، وَرَدَّا عَلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - كَلَامَهُ ، وَهَزِئَا بِرَسُولِهِ صلى الله عليه وآله - وَهُمَا الْكَافِرَانِ - عَلَيْهِمَا لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، وَاللَّهِ مَا دَخَلَ قَلْبَ أَحَدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ مِنَ الْإِيمَانِ مُنْذُ خُرُوجِهِمَا مِنْ حَالَتِهِمَا ، « 3 » وَمَا ازْدَادَا إِلَّا شَكّاً كَانَا خَدَّاعَيْنِ مُرْتَابَيْنِ مُنَافِقَيْنِ ، حَتّى تَوَفَّتْهُمَا مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ إِلى مَحَلِّ الْخِزْيِ فِي دَارِ الْمُقَامِ .
هامش
( 1 ) . في الحاشية عن بعض النسخ : « لما » بدل « كنت » .
( 2 ) . في الطبعة القديمة : « لذلك » .
( 3 ) . في كلتا الطبعتين : « حالتيهما » . وفي حاشية النسخة ومرآة العقول : « جاهليّتهما » .