وثالثها : أنّ معناه : إنّما يريد اللَّه ليعذّبهم في الدُّنيا بسبي الأولاد ، وغنيمة الأموال عند تمكّن المؤمنين من أخذها وغنمها ، فيتحسّرون عليها ، ويكون ذلك جزاءً على كفرهم . « 1 » ورابعها : أنّ المراد : يعذّبهم بجمعها وحفظها وحبّها والبخل بها ، والخوف عليها ، وكلّ هذا عذاب ، وكذلك خروجهم عنها بالموت ؛ لأنّهم يفارقونها ، ولا يدرون إلى ماذا يصيرون .
وخامسها : أنّ معناه : إنّما يريد اللَّه ليعذّبهم بحفظها ، والمصائب فيها ، مع حرمان المنفعة بها . « 2 » واللام في قوله : « ليعذّبهم » ، يحتمل أن تكون لام العاقبة ، والتقدير إنّما يريد اللَّه أن يُملي لهم فيها ليعذّبهم .
« وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ »
أي تَهلِك ، وتذهب بالموت . وأصل الزهوق : الخروج بصعوبة .
« وَهُمْ كافِرُونَ »
بما يجب الإيمان به .
والجملة في موضع الحال ، والإرادة تعلّقت بزهوق أنفسهم ، لا بالكفر ، وهذا كما تقول : « أريد أن أضربه ، وهو عاص » ، فالإرادة تعلّقت بالضرب ، لا بالعصيان . « 3 » وحاصل استشهاده عليه السلام بهذه الآية أنّها دلّت على أنّ من دخل في الدين ، وكفر باللَّه ورسوله بإنكار أمرٍ من أمور الدين ، أو حكمٍ من أحكامه ، كان غير مرضيّ عند اللَّه ، أو مسخوطاً به ، وعمله غير مقبول . ومعلوم أنّ المراد بالآية من أعظم أمور الدين .
( وكذلك الإيمان لا يضرّ معه العمل ) أي الإخلال بالعمل لا يضرّ بأصل الإيمان ، بحيث يصير سبباً للخلود في النار ، أو لعدم استحقاق الشفاعة والرحمة .
( وكذلك الكفر لا ينفع معه العمل ) - أي استقامة العمل - نفعاً يوجب الخلاص عن النار ، أو استحقاق الشفاعة والمغفرة .
وقال بعض الشارحين :
لعلّ المراد بالعمل الأوّل العمل الحقير القليل ، وبالعمل الثاني العمل العظيم الكثير ؛
هامش
( 1 ) . نسبه إلى الجبائي .
( 2 ) . نسبه إلى ابن زيد .
( 3 ) . تفسير مجمع البيان ، ج 5 ، ص 69 و 70 ( مع التلخيص واختلاف يسير ) .