( لا تُنال نعمة إلّابزوال أخرى ) .
قال ابن ميثم : « فإنّ نعمها لا تجتمع أشخاصها كلقمة ولقمة ، بل وأنواعها كالأكل والشرب والجماع » . « 1 » وقال بعض الأفاضل :
ظاهر أنّ عادة الدنيا أنّ نعمها متناوبة ؛ فإنّ من ليس له مال يكون آمناً صحيحاً غالباً ، وإذا حصل له الغنى يكون خائفاً أو مريضاً لا ينتفع بماله ، بل كلّ حالة من جهة نعمة ومن جهة بلاء كالمرض ، فإنّه نعمة لتكفيره السيّئات ، فإذا ورد عليه نعمة الصحّة زالت تلك النعمة الحاصلة بالبلاء . « 2 » والحاصل أنّه عليه السلام نفّر عن الدنيا بزوال نعمها ولذّاتها ، وعدم بقائها وثباتها ، وتوقّف لاحقها على فوات سابقها ؛ إذ كلّ نوع من اللذّة والنعمة فإنّما يتجدّد شخص منها ، والالتذاذ بها بعد زوال مثله كلذّة المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من الملاذّ الجسمانيّة ؛ فإنّ نيلها يستدعي فوات أختها السابقة ، وما كان كذلك لا يعدّ نعمة في الحقيقة ملتذّاً بها ، فلابدّ للعاقل اللبيب من صرف عمره في تحصيل النعم الباقية من العلوم والمعارف والحكم الإلهيّة والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة النافعة في الدار الآخرة .
( ولكلّ « 3 » رمق قوت ) .
القوت : المسكة من الرزق ، وهي ما يتمسّك به ، وما يمسك الأبدان من الغذاء والشراب .
والرمق بالتحريك : بقيّة الروح والحياة ، وآخر النفس .
أي لكلّ قدر من الحياة قوت مقدّر ثابت قطعاً .
وقيل : تخصيص الرمق بالذكر للتنبيه على أنّ الحياة والقوت متلازمان ، لا يكون أحدهما بدون الآخر ، زجر للطالب عن الاهتمام به ، وصرف العمر في طلبه . « 4 » وفي بعض النسخ المصحّحة : « لكلّ ذي رمق » ، وهو أظهر .
هامش
( 1 ) . لم نعثر على عين هذه العبارة في شرح الخطبة ، لكن انظر مضمونه في شرحه على نهج البلاغة ، ج 5 ، ص 342 و 343 .
( 2 ) . مرآة العقول ، ج 25 ، ص 52 .
( 3 ) . في المتن الذي نقله الشارح رحمه الله سابقاً وكلتا الطبعتين : + « ذي » .
( 4 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 234 .