يُعط حال كونه قائماً طالباً له ، أي لم ينفعه السعي والطلب ، فالقيام كناية عن السعي والطلب ، والقعود كناية عن تركهما ، ويدلّ عليه صريح كثير من الأخبار . « 1 » أو المراد من لم يُعطه الناس مع قعوده عن السؤال وعدم تعرّضه له لم يعطوه أيضاً إذا سألهم وقام للسؤال عندهم .
الثاني : كونها على صيغة المعلوم ، والمراد : من لم يُعط في حال قعوده ، لم يعطوا أيضاً في حال قيامه ، وبالعكس ؛ لاشتراك الحالين في علّة المنع ، وهي البخل .
ويحتمل كون قاعداً مفعولًا للإعطاء ، وقائماً مفعولًا للمنع ، والمعنى : من لم يعط غير سائل ، أي الذي قعد عن السؤال ، منع ولم يُعط أيضاً سائلًا قائماً بين يديه ، أو متعرّضاً له ، ففيهما تنفير عن سؤال البخيل .
الثالث : كون الأوّل على صيغة المعلوم ، والثاني على المجهول ، والمراد من لم يعط أهل السؤال والمحتاجين حال كونه قاعداً ، وهم قيام بين يديه يسألونه ، يبتلى بأن يحتاج إلى السؤال عن غيره ، فيقوم بين يديه ، ويسأله ، ولا يعطيه . « 2 » وفيه احتمال آخر ، وهو أن يكون « قاعداً » مفعولًا للإعطاء ، و « قائماً » حالًا عن المستتر في « منع » ، أي من لم يعط قاعداً زمناً محتاجاً ، أو غير سائل ، ابتلي بسؤال الناس والقيام بين أيديهم مع الحرمان .
الرابع : عكس الثالث ، وحاصل المعنى حينئذ : من لم تعطه في حال قعوده وعجزه عن نيل مقصوده ، منعك في حال تمكّنه واقتداره .
( ومن يَغلب بالجور ) على غيره ( يُغلب ) من ذلك الغير ، أو من غيره ؛ إمّا في الدنيا ، أو في الآخرة ، أو فيهما معاً ، وإن امهل برهة من الزمان فلحكمة أو للاستدراج .
( ومن عاند الحقّ لزمه الوَهن ) .
قال اللّه عزّ وجلّ :
« مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ »
. « 3 » وقال في وصف المنافقين :
« يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ » .
« 4 »
هامش
( 1 ) . مال إليه الشارح الشهير لنهج البلاغة ابن أبي الحديد في شرحه ، ج 19 ، ص 363 .
( 2 ) . قال العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 44 : « وهو عندي أظهر الوجوه » .
( 3 ) . العنكبوت ( 29 ) : 41 .
( 4 ) . المنافقون ( 63 ) : 4 .