ثمّ قال بعض الأعلام في شرح هذا الكلام :
أي ينبغي تحمّل الموت [ والمنيّة ] قبل أن تنتهي الحال إلى الدنيّة ، كما إذا أرادك العدوّ ، فتترك الجهاد ، وتصير أسيراً له ، فالجهاد والموت قبله أفضل من تركه إلى أن يرد عليك الدنيّة . « 1 » ويقرب منه ما قيل : يعني احتمال الموت قبل احتمال ما يعيبك ، وخير منه . « 2 » وقيل : المراد أنّ المنيّة متقدّم وخير من الدنيّة ، فالمراد بالقبليّة القبليّة بالشرف ، وفيه بعد .
ويؤيّد أحد المعنيين ما في نسخ نهج البلاغة : « المنيّة ولا الدنيّة » « 3 » كما يقولون : النار ولا العار . « 4 » وقيل : المراد أنّ المنيّة ينبغي أن تكون قبل الموت الاضطراري الذي هو الدنيّة ؛ لقوله عليه السلام :
« موتوا قبل أن تموتوا » « 5 » . أو قرأ بعضهم : « المُنية » بضمّ الميم وتخفيف الياء بمعنى الامنيّة ، أي ينبغي أن تكون المُنى قبل العجز عن تحصيلها ، والأظهر المعنى الأوّل « 6 » ، واللّه أعلم .
( والتجلّد قبل التبلّد ) .
قال الفيروزآبادي : « الجَلَد محرّكة : الشدّة والقوّة ، وهو جَلْد ، وجَلُد - ككرم - جَلادة ، وتجلّد : تكلّفه » . « 7 » وقال :
التبلّد : ضدّ التجلّد ، بلد - ككرم وفرح - فهو بَليد وأبلد : التصفيق ، والتحيّر ، والتلهّف ، والسقوط إلى الأرض ، والتسلّط على بلد الغير ، والنزول ببلد ما به أحد ، وتقليب الكفّين . « 8 » أقول : يمكن هنا إرادة كلّ من تلك المعاني ، وحاصل الجميع أنّ التجلّد في الأمور المطلوبة عقلًا ونقلًا ، دينيّة أو دنيويّة ، أينبغي أن يكون قبل العجز والمغلوبيّة والتحيّر فيها .
( والحساب قبل العقاب ) أي محاسبة النفس ومراقبتها في الدنيا ينبغي أن تكون قبل حلول
هامش
( 1 ) . مرآة العقول ، ج 25 ، ص 45 .
( 2 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 219 .
( 3 ) . نهج البلاغة ، ص 546 ، الحكمة 396 .
( 4 ) . نقله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 45 .
( 5 ) . راجع : بحار الأنوار ، ج 66 ، ص 317 ؛ وج 69 ، ص 57 .
( 6 ) . نقله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 45 .
( 7 ) . القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 283 ( جلد ) مع التلخيص .
( 8 ) . القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 279 ( بلد ) .