( وَكَذلِكَ قَوْلُكَ : « عَالِمٌ » إِنَّمَا نَفَيْتَ بِالْكَلِمَةِ الْجَهْلَ ) أي إنّما المقصود بالكلمة نفي الجهل .
( وَجَعَلْتَ الْجَهْلَ سِوَاهُ ) .
قد يتوهّم « 1 » من أمثال هاتين العبارتين أنّ المقصود أنّ القدرة والعلم ونحوهما من صفات ذاته تعالى يرجع إلى معان سلبيّة .
وهذا خلاف البديهة ، بل مقصوده عليه السلام أنّه ليس إثبات القدرة أو العلم له تعالى إثباتاً لآلة أو قلب ، ولا إثباتاً لأمرٍ موجود في نفسه قائم به ، كما يشير إليه بقوله بعد ذلك :
« لطيف بلا كيف » ، بل إثبات محض ما يقابل العجز أو الجهل ؛ أي أمر لولا ثبوته لكان العجز أو الجهل ثابتاً ؛ إذ لا واسطة بين القدرة والعجز ، ولا بين العلم والجهل .
ويمكن أن يكون المراد الفرق بين علم اللَّه وعلم العباد مع اشتراك العلم معنى بينهما ، بأنّ إثبات العلم للعباد لا ينفي عنهم الجهل بالكلّيّة ، بخلاف إثبات العلم للَّه تعالى ؛ فإنّ المتقابلين أي العلم والجهل يجتمعان في العباد من جهتين ، بخلاف اللَّه ؛ وكذا الكلام في القدرة .
( وَإِذَا أَفْنَى اللَّهُ الْأَشْيَاءَ ) بعد ذلك . وهو الذي أشير إليه في نهج البلاغة في خطبة أوّلها :
« ما وحّده من كيّفه » من قول أمير المؤمنين عليه السلام « وأنّه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شيء معه ، كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها » الخطبة . « 2 »
( أَفْنَى الصُّورَةَ وَالْهِجَاءَ وَالتَّقْطِيعَ ) أي التي حدثت في أذهان العباد من صورة الأسماء والصفات وهجائها وتقطيع حروفها على ما مرّ تفسيره آنفاً .
( وَلَا يَزَالُ مَنْ لَمْ يَزَلْ عَالِماً ) أي بلا كيف .
( فَقَالَ الرَّجُلُ : فَكَيْفَ سَمَّيْنَا رَبَّنَا سَمِيعاً ؟ ) . الفاء في قوله : « فكيف » للتفريع ؛ أي إذا لم يكن معه تعالى شيء غيره في الأزل لم يكن مسموع ولا سمع ، فكيف يسمّى سميعاً .
وهذا مبنيّ على الخلط بين السميع والسامع ، وبين السمع المعقول في الرأس وغيره .
هامش
( 1 ) . في حاشية « أ » : « المتوهم مولانا محمّد أمين الإسترابادي رحمه الله » .
( 2 ) . نهج البلاغة ، ص 276 ، الخطبة 186 .