تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشف الوافي في شرح أصول الكافي — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
الدنيا طالِبةٌ ومطلوبَةٌ ، والآخِرَةَ طالبةٌ ومطلوبةٌ ، فمن طَلَبَ الآخرة ، طَلَبَتْه الدنيا حتّى يَستَوفيَ منها رزقَه ، ومن طَلَبَ الدنيا طَلَبَتْه الآخرةُ ، فيأتيه الموتُ ، فيُفْسِدُ عليه دنياهُ وآخرتَهُ . يا هشام ، من أرادَ الغِنى بلا مالٍ ، وراحة القلبِ من الحَسَد ، والسلامةَ في الدين ، فَلْيتضرَّعْ إلى اللَّه عزّ وجلّ في مسألته بأن يُكَمِّلَ عقلَه ، فمن عَقَلَ قَنِعَ بما يكفيه ، ومن قَنِعَ بما يكفيه استغنى ، ومن لم يَقْنَعْ بما يكفيه لم يُدْرِك الغنى أبداً . يا هشام ، إنّ اللَّهَ حكى عن قومٍ صالحينَ أنّهم قالوا :
« رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ »
حين علموا أنّ القلوبَ تَزيغُ وتَعودُ إلى عماها
شرح
وقوله عليه السلام : ( الدنيا طالبة ومطلوبة ) أي طالبة لتاركها ؛ لإيفاء رزقه ، ومطلوبة لطالبها والراغب فيها . وقوله عليه السلام : ( والآخرة طالبة ومطلوبة ) أي طالبة لتاركها ؛ والزاهد فيها لقبض روحه ، ومطلوبة لطالبها والراغب فيها ، ويتبيّن ذلك من قوله عليه السلام : ( فمن طلب الآخرة ) إلخ . وقوله عليه السلام : ( فيفسد عليه دنياه وآخرته ) لخروج الدنيا عن يديه وعدم دخول الآخرة فيهما وقوله عليه السلام : ( فمن عقل ) أي عقل عن اللَّه وقد عرفت « 1 » معناه ( قنع بما يكفيه ) ولم يطلب الفضول فصُيّر غنيّاً بلا مال ( ومن قنع بما يكفيه استغنى ) عن الناس ، فلا يحسد أحداً ، وفيه سلامة الدين ( ومَن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبداً ) لأنّ كلّما حصل له فضل من فضول الدنيا يتمنّى آخَرَ ، وهكذا لا ينتهي إلى حدّ . وقوله تعالى :« لا تُزِغْ قُلُوبَنا »« 2 » أي لا تُمل قلوبنا عن الحقّ ، يقال : زاغ عن الطريق ، إذا مال وعدل عنه . وقوله عليه السلام : ( أنّ القلوب ) أي بعض القلوب ؛ لأنّ المهملة في قوّة الجزئيّة ( تَزيغُ ) أي تميل عن الحقّ ( وتَعود « 3 » إلى عماها ) عنه بزوال بصيرتها . ورَداها .
هامش
( 1 ) . عرفت في نفس الحديث . ( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 8 . ( 3 ) . في النسخة : « يعود » .