لم يَدُلَّ على الباطن الخفيّ من العقل إلّابظاهرٍ منه ، وناطقٍ عنه .
يا هشام ، كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول : ما عُبِدَ اللَّهُ بشيء أفضلَ من العقل ، وما تَمَّ عقلُ امرئ حتّى يكونَ فيه خصالٌ شتّى : الكفرُ والشرُّ منه مَأمونان ، والرشدُ والخيرُ منه مَأمولان ، وفضلُ ماله مبذولٌ ، وفضلُ قوله مكفوفٌ ، ونصيبُهُ من الدنيا القوتُ ، لا يَشْبَعُ من العلم دهرَه ، الذلُّ أحبُّ إليه مع اللَّه من العزّ مع غيره ، والتواضعُ أحبُّ إليه من الشَرَف ،
شرح
وقوله عليه السلام : ( لم يَدُلَّ على الباطن الخفيّ من العقل ) أي من العاقل من باب المبالغة في كمال عقله ؛ يعني لم يجعل دليلًا لنا على الباطن الخفيّ من العاقل من خوفه وكمال عقله ويقينه .
وقوله عليه السلام : ( بظاهر منه وناطقٍ عنه ) أي إلّاممّا هو ظاهر من العقل ، أي العاقل ، وبما هو ناطق عن حال باطنه من مطابقة قوله لفعله ، وموافقة سرّه لعلانيته ، فإنّا إذا رأينا ذينك الأمرين « 1 » من أحد ، حكمنا بخوفه وكمال عقله ويقينه ، وإذا رأينا منه ضدّهما ، حكمنا بعدم اتّصافه بالأوصاف الفاضلة الباطنة المذكورة .
وقوله عليه السلام : ( ما عُبِدَ اللَّه بشيء ) أي بسبب شيء ( أفضلَ من العقل ) أي العقل بالمعنى الثالث وهو القوّة النطقيّة المميّزة ؛ فإنّ العقل والجوارح والقوى أسباب وآلات لعبادة العبد ، والعقل أفضل ممّا عداه .
وقوله عليه السلام : ( وما تَمَّ عقلُ امرئ ) أي وما كمل عقل امرئ ، وذلك هو العقل عن اللَّه .
وقوله عليه السلام : ( خصالٌ شتّى ) أي صفات متعدّدة .
وقوله عليه السلام : ( الكفر والشرّ منه مأمونان ) أي يكون الناس في أمن من كفره وشرّه ، أي لا يتصوّر بل لا يمكن منه كفر وشرّ . والرشد هو طريق الخير .
وقوله عليه السلام : ( وفضلُ مالِه مبذولٌ ) أي في سبيل اللَّه .
وقوله عليه السلام : ( ونصيبُه من الدنيا القوتُ ) أي يكتفي من الدنيا بالقوت الضروري ومثلِه ممّا لا بدّ منه في الحياة .
وقوله عليه السلام : ( دهره ) أي تمام زمان حياته .
هامش
( 1 ) . في النسخة : « ذانك الأمران » .