يستكثرُ قليلَ المعروفِ من غيره ، ويستقلُّ كثيرَ المعروفِ من نفسه ، ويرى الناسَ كلَّهم خيراً منه ، وأنّه شرُّهم في نفسه ، وهو تمامُ الأمرِ .
يا هشام ، إنّ العاقلَ لا يَكْذِبُ وإن كانَ فيه هواه .
يا هشام ، لا دينَ لمن لا مروءةَ له ، ولا مروءة لمن لا عقلَ له ، وإنّ أعظمَ الناسِ قدْراً الذي لا يَرى الدنيا لنفسه خطراً ، أما إنَّ أبدانَكُم ليس لها ثمنٌ إلّاالجنّةُ ، فلا تَبيعوها بغيرها .
يا هشام ، إنَّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول : إنَّ من علامة العاقل أن يكونَ فيه ثلاثُ خصالٍ : يُجيب إذا سُئلَ ، وينطقُ إذا عجزَ القومُ عن الكلام ، ويُشيرُ بالرأي الذي يكونُ فيه صَلاحُ أهلِه ، فمن لم يكنْ فيه من هذه الخصال الثلاث شيء فهو أحمقُ .
شرح
وقوله عليه السلام : ( وأنّه شرّهم ) أي يرى أنّه شرّ الناس .
وقوله : ( في نفسه ) متعلّق ب « يرى » في الفقرتين ، أي يعدّ في نفسه كلّ الناس خيراً منه ، ونفسه شرّاً من غيره وإن كان خيراً من أكثر الناس في الواقع .
وقوله : ( وهو تمامُ الأمر ) أي الأخير ما يتمّ به كمال العقل .
وقوله عليه السلام : ( لا دين ) والمراد كمال الدين ( لمن لا مروّة له ) والمروّة مصدر مشتقّ من المرء وهو الرجل ، أي الذكورة والإنسانيّة ، والمقصود الاتّصاف بالخصال الحميدة . والمراد بالعقل العقل الكامل .
والخَطَر - بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة - : السَبَق الذي يتراهنّ عليه ، وخَطَرُ الرجل : قدرُه ومنزلتُه وقيمتُه ، فقوله : ( لا يَرى الدنيا لنفسه خطراً ) أي لا يحسب الدنيا لنفسه سبقاً ، أو قدراً ومنزلة .
وقوله عليه السلام : ( فلا تَبيعوها بغيرها ) أي بغير الجنّة من النار بالمعاصي .
وقوله عليه السلام : ( إنّ من علامة العاقل ) أي العاقل عن اللَّه .
وقوله عليه السلام : ( وينطق إذا عجز القومُ ) أي عجزوا عن الكلام في تحقيق المشكلات وغيره .
وقوله عليه السلام : ( فهو أحمق ) أي إن ادّعى التفوّق وطلب التصدّر ، كما يدلّ عليه قوله :