الحكمةِ مع الدنيا ، فلذلك رَبِحَتْ تِجارَتُهُم .
يا هشام ، إنَّ العقلاءَ تَرَكوا فضولَ الدنيا ، فكيف الذنوب ، وتَرْكُ الدنيا من الفَضْلِ ، وتَرْكُ الذنوبِ من الفَرْضِ .
يا هشام ، إنَّ العاقلَ نَظَرَ إلى الدنيا وإلى أهلِها ، فعَلِمَ أنَّها لا تُنالُ إلّابالمشقّة ، ونَظَرَ إلى الآخرة ، فَعَلِمَ أنّها لا تُنالُ إلّابالمشقّة ، فطَلَبَ بالمشقّة أبقاهما .
يا هشام ، إنَّ العقلاءَ زَهِدوا في الدنيا ورَغِبوا في الآخرة ؛ لأنّهم عَلِموا أنّ
شرح
الحكمة ( فلذلك ربحت ) تجارة العقلاء ؛ حيث أعطوا العالي من الدنيا ، وأخذوا العالي من الحكمة ، فضمير ( تجارتهم ) راجع إلى العقلاء المستفاد من العاقل الذي هو اسم جنس يطلق على الواحد والكثير .
وقوله عليه السلام : ( تركوا فضولَ الدنيا ) من المباحات التي لا تضرّ صاحبها ( فكيف الذنوب ) أي تركهم الذنوبَ - من محظورات الدنيا ومضرّاتها ونحوها - بطريقٍ أولى .
والواو في قوله : ( وترك الدنيا من الفضل ) للحال ، أي ترك فضول الدنيا بل ترك علاقة الدنيا مطلقاً من الأمور الفاضلة المستحبّة .
وقوله عليه السلام : ( نظر إلى الدنيا وإلى أهلِها ) إلخ ، لمّا كانت الدنيا في أيدي أهلها ، وتحصيلُها غالباً لا يمكن إلّابإخراجها عن أيديهم بوجه من الوجوه بخلاف الآخرة ؛ فإنّ نيلها لا يحتاج إلى سلبها من أحد ؛ فلهذا قال : « نظر إلى الدنيا وإلى أهلها » وقال : ( ونظر إلى الآخرة ) ولم يقل :
وإلى أهلها .
وأيضاً العلم بمشقّة تحصيل الدنيا لمن لا يتوجّه إلى تحصيله إنّما يحصل من ملاحظة مشقّة أهل الدنيا في تحصيلها ، فبالنظر إلى الدنيا وأهلها معاً يحصل هذا العلم بخلاف العلم بمشقّة تحصيل الآخرة ؛ فإنّه لا يحتاج إلى النظر إلى تحصيلها بل معرفة كيفيّة تحصيلها يكفي للعلم بمشقّة نيلها .
وقوله عليه السلام : ( أبقاهما ) أي الآخرة .
وقوله عليه السلام : ( زَهِدوا في الدنيا ورَغِبوا في الآخرة ) أي تركوا الدنيا وطلبوا الآخرة .