إنَّه لم يَخَفِ اللَّهَ مَنْ لم يَعْقِلْ عن اللَّه ، ومن لم يَعْقِلْ عن اللَّه لم يَعْقِدْ قلبَه على معرفةٍ ثابتةٍ يُبْصِرُها ويَجِدُ حقيقتَها في قلبه ، ولا يكونُ أحدٌ كذلك إلّامَن كان قولُهُ لفعلِهِ مُصدِّقاً ، وسرُّهُ لعلانيته موافقاً ؛ لأنّ اللَّهَ - تبارك اسمه -
شرح
وقوله عليه السلام : ( ورَداها ) بفتح الراء المهملة ، أي هلاكها ، والمراد ما يوجب هلاكها وعذابها في الآخرة من ضلالتها .
ولمّا ذكر عليه السلام أنّ بعض القلوب تزيغ فأراد أن يبيّن أنّ من القلوب التي لم يمكن زيغها أصلًا فبيّنه ( ظ ) بقوله : ( إنّه لم يخف اللَّه ) إلخ .
وقوله : ( من لم يَعْقِلْ عن اللَّه ) أي من لم يكمل اللَّه عقله ؛ يعني لم يخف اللَّه تعالى حقّ الخوف من لم يجعل اللَّه تعالى عقله كاملًا بحسب الفطرة والكسب معاً إلّامن استثنى ، وهو من كان عقله كاملًا بحسب الفطرة فقط في الدرجة العليا كعيسى عليه السلام مثلًا في المهد ، ومن لم يكن عقله كاملًا ( لم يَعْقِدْ قلبه على معرفةٍ ثابتةٍ ) أي لم يصدّق ذهنه تصديقاً يقينياً على معرفة ثابتة من المعارف الإلهيّة والعلوم الدينيّة بحيث لا يضطرب بتشكيك المشكّك ، ولا يمكن أن يعقبه زيغ أصلًا ( ويُبصِرُها ) بعين بصيرته ( ويَجِدُ حقيقتها في قلبه ) وذهنه .
وقوله عليه السلام : ( ولا يكون أحد كذلك ) إشارة إلى المنفيّ ، أي لا يكون أحد خائفاً عاقلًا عن اللَّه ، عاقداً قلبه على معرفةٍ حقيقيّة يقينيّة ( إلّا من كان قولُه لفعله مصدَّقاً ) بفتح الدال على صيغة المفعول ، أي كان قوله لأجل فعله مصدَّقاً بأن يكون فعله مطابقاً لقوله ، كما سيجئ في باب صفة العلماء في تفسير قوله تعالى :« إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ »« 1 » قال عليه السلام :
« يعني بالعلماء من صدّق فعله قوله » « 2 » . وقيل : بكسر الدال ، أي إلّامن إذا سئل عن أيّ فعل من أفعاله : من أين علمتَ حسنَه ؟ أجاب بتطبيقه على كتاب اللَّه وسنّة رسوله ببرهان قاطع ؛ وذلك كما ترى .
وقوله عليه السلام : ( لأنّ اللَّه تبارك اسمه ) إلخ دليل على أنّ المتّصف بالخوف وكمال العقل والاعتقاد اليقيني ليس إلّامن كان فعله مطابقاً لقوله ، وسرّه لعلانيته .
هامش
( 1 ) . فاطر ( 35 ) : 28 .
( 2 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 36 ، باب صفة العلماء ، ح 2 .