يا هشام ، كيف يزكو عند اللَّه عملُكَ ، وأنت قد شغلتَ قلبَك عن أمر ربّك ، وأطعْتَ هواك على غلبة عقلك ؟ !
يا هشام ، الصبرُ على الوحدةِ علامة قوّةِ العقلِ ، فمن عَقَلَ عن اللَّه اعتزلَ أهلَ الدنيا والراغبين فيها ، ورَغِبَ فيما عند اللَّهِ ، وكانَ اللَّه انْسَه في الوحشة ، وصاحبَه في الوحدة ، وغِناهُ في العَيْلَةِ ، ومُعِزَّهُ من غير عَشيرةٍ .
يا هشام ، نُصِبَ الحقُّ لطاعة اللَّه ، ولا نَجاةَ إلّابالطاعة ، والطاعةُ بالعلم ، والعلمُ
شرح
وقوله عليه السلام : ( كيف يزكو « 1 » [ عند اللَّه ] عملك ) إلخ استدلال على السابق ، يعني كيف ينمى عند اللَّه تعالى أجرُ عملك ؟ وهذا من الخطاب العامّ .
وقوله عليه السلام : ( وأنت شغلتَ قلبَك عن أمر ربّك ) أي شغلت قلبك بالتفكّر في أمور الدنيا عن التفكّر في شأن ربّك من المعارف الإلهيّة والأمور الاخرويّة ، وهذا ناظر إلى قوله : « من أظلم نورَ تفكّره بطول أمله » ولمّا كان هذا أهمّ من الثلاث جعل له دليلًا مفرداً ، ثمّ ذكر للثلاث دليلًا شاملًا وهو قوله : « وأطعت » إلخ .
وقوله عليه السلام : ( الصبر على الوحدة ) أي الاعتزال عن أهل الدنيا بل ترك الدنيا وما فيها بكلّها والفناء في اللَّه كما هو من أعلى مقامات العارفين ( علامة قوّة العقل ) ومنتهى كماله .
و « عن » في قوله : ( عن اللَّه ) إمّا زائدة ، أي فمن عرف اللَّه كمال المعرفة ، أو من عرف اللَّه منه تعالى كالنفوس القدسيّة .
وقوله : ( ورغب فيما عند اللَّه ) أي القرب إلى جَنابه بل الفناء في اللَّه .
وقوله : ( مُعِزَّه ) مصدر ميمي .
وقوله عليه السلام : ( نصب الحقّ ) على صيغة المجهول ، ويحتمل المصدر ، أي وضع الشرائع ببعث الأنبياء والرسل لأجل طاعة اللَّه في أوامره ونواهيه ؛ لأنّ العقل غير مستقلّ بمعرفة حسن الأشياء وقبحها على سبيل التفصيل ، فلا بدّ من أن يعرف ذلك بتوقيف اللَّه تعالى وإعلامه بوساطة الأنبياء والرسل في صورة الأمر والنهي ؛ ليحصل النجاة عن العذاب بطاعة
هامش
( 1 ) . في النسخة : « تزكو » .