والأنبياء والأئمّةُ عليهم السلام ، وأمّا الباطنةُ فالعقولُ .
يا هشام ، إنّ العاقلَ الذي لا يَشْغَلُ الحلالُ شكرَه ، ولا يَغْلِبُ الحرامُ صبرَه .
يا هشام ، مَن سلّطَ ثلاثاً على ثلاثٍ فكأنّما أعانَ على هَدْم عقله : من أظلم نورَ تفكّره بطول أمله ، ومحا طرائفَ حكمته بفضول كلامه ، وأطفأ نورَ عِبْرته بشهوات نفسه ، فكأنّما أعانَ هواهُ على هَدْم عقلِه ، ومن هَدَمَ عقْلَه أفسَدَ عليه دينه ودنياه .
شرح
وقوله عليه السلام : ( وأمّا الباطنة فالعقول ) المراد بالعقل هاهنا العقل بالمعنى الثالث ، أي القوّة النطقيّة ؛ لأنّ وجود العقل - الذي يتميّز به بين الحقّ والباطل والحسن والقبيح مع وجود الدلائل والبراهين على الحقّ - يكفي حجّةً على المنكرين له .
وقوله عليه السلام : ( لا يَشْغَلُ الحلالُ شكرَه ) أي الحلال لا يشغله عن الشكر بأقسامه ، ولا يوجب غفوله عنه ، وفيه إشارة إلى أنّ الشكر إنّما يكون بإزاء الحلال لا بإزاء الحرام .
وقوله عليه السلام : ( ولا يَغْلِبُ الحرامُ صبرَه ) بأن يتصرّف فيه ، ولا يصبر عنه .
وقوله عليه السلام : ( فكأنّما أعان ) هواه .
وقوله عليه السلام : ( مَن أظلم نورَ تفكّره بطول أمله ) أي سلّط طول أمله على نور تفكّره بأن جعل طول الأمل مانعاً عن التفكّر بأن قال في نفسه : أتفكّر في هذا المطلب غداً أو شهرَ كذا مثلًا وهكذا ، أو جعل مقتضى طول الأمل ماحياً لمقتضى فكره الصائب .
وقوله عليه السلام : ( ومحا طرائفَ حكمته ) أي كلماته المشتملة على الحكمة ( بفضول كلامه ) فإنّ كثرة الكلام يوجب صدور الهفوات وما لا طائل تحته عن الإنسان .
والعبرة الاسم من الاعتبار ، أي الاتّعاظ واستنباط عاقبة الأشياء .
وقوله عليه السلام : ( بشهوات نفسه ) بالإتيان بمشتهيات نفسه .
وقوله عليه السلام : ( أفسد عليه ) أي على نفسه دينه ودنياه ؛ لما مرّ من قوله : ( أكملهم عقلًا أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة ) .