كَلَّفَ تخييراً ، ونهى تحذيراً ، وأعطى على القليل كثيراً ، ولم يعْص مغلوباً ، ولم يُطعْ مُكرهاً ، ولم يملكْ مُفَوِّضاً ،
شرح
إخوانهما ؛ لأنّه أهمّ من إبطال مذهب عبدة الأوثان من الطائفتين ، فقوله : ( كلّف تخييراً ، ونهى تحذيراً ، وأعطى على القليل كثيراً ) لبيان بطلان الجبر ، أي كلّف العباد بالإتيان بما هو حسن ونافع لهم باختيارهم وإرادتهم ، ونهاهم عن القبائح بأن حذّرهم وأعلمهم أنّها قبيح ضارّ لهم ، ولا يجامع التخيير ولا إعلام النافع والضارّ في فعل المجبور ، والمراد بإعطاء الكثير على القليل الوعد له عليه للترغيب في أعمال الخير للقادر على الخير والشرّ ، فلا يجامع ذلك الوعد والترغيب مع الجبر كما مرّ آنفاً « 1 » .
وقوله : ( ولم يُعصَ مغلوباً [ ولم يُطع مكرهاً ] ولم يُملّك مفوّضاً ) لبيان بطلان زعم المفوّضة والمعتزلة المعبّر عنهم بخصماء الرحمان والقدريّة المذكورين سابقاً بتقريب ذكر إخوانهم ، أي الجبريّة ، فقوله : « لم يُعْصَ » على صيغة المجهول و « فيه » ضمير راجع إلى اللَّه .
والمقصود أنّه لو كانت قدرة العبد وإرادته مستقلّة في التأثير ، ولا يكون لقدرته تعالى تأثير في فعله ، ولا يتعلّق إرادته بالكفر والمعصية مطلقاً ، بل يكون الكفر والمعصية خلاف مشيّته ، والإيمان والطاعة متعلّقاً لإرادته ، فلزم أن يكون الكافر العاصي غالباً على اللَّه ؛ لوقوع ما شاء به ، وعدم وقوع ما شاء اللَّه ، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً .
وقوله : « لم يطع » على صيغة المجهول ، والضمير راجع إلى اللَّه تعالى . والمكره بكسر الراء ردّ على الجبريّة فيما بين الفقرتين الدالّتين على بطلان مذهب المعتزلة والمفوّضة ؛ لكثرة الاعتناء بشأنه .
وجعل بعض الفضلاء هذا أيضاً ردّاً عليهما وقال : المكرَه بفتح الراء ، يعني يلزم ممّا ذهب إليه المعتزلة والمفوّضة أنّ العبد لو أراد الطاعة وأراد اللَّه تعالى منه تركها على فرض محال ، كان اللَّه تعالى مطاعاً بإكراهٍ ، تعالى عن ذلك .
وقوله : « ولم يملِّك مفوِّضاً » بكسر اللام والواو ، يعني لم يملّك القدرة والإرادة مفوّضاً
هامش
( 1 ) . قارن الشافي للقزويني ، ص 567 ( مخطوط ) .