ولم يَخْلُقِ السماواتِ والأرضَ وما بينهما باطلًا ، ولم يَبْعَثِ النبيّينَ مبشّرينَ ومنذرينَ عَبَثاً ؛ ذلك ظنُّ الّذين كفروا ، فويلٌ للّذين كَفَروا من النارِ » ، فأنشَأَ الشيخُ يقول :
أنت الإمام الذي نرجو بطاعته * يومَ النجاةِ من الرحمن غُفراناً
أوضَحْتَ من أمرنا ما كانَ مُلْتَبِساً * جَزاكَ رَبُّكَ بالإحسانِ إحساناً
شرح
الأفعال الاختياريّة إلى الناس بحيث لا تأثير لقدرة اللَّه تعالى ومشيّته فيما فعلهم في ملكه كما ذهب إليه القدريّة من المعتزلة والمفوّضة .
وقوله : ( ولم يخلق السماوات والأرض ) إلخ ردّ على ظنّ عبدة الأوثان المذكورين سابقاً بتقريب إخوانهم ، وهذا إشارة إلى ما في قوله تعالى في سورة ص :« وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ »« 1 ».ويحتمل أن يكون قوله : « ولم يبعث النبيين مبشّرين ومنذرين عبثاً » جملة معترضة في أثناء الردّ على عبدة الأوثان ردّاً على الجبريّة . روى ابن بابويه في كتاب التوحيد فقال الشيخ :
يا أمير المؤمنين فما القضاء والقدر اللذان ساقانا وما هبطنا وادياً ولا علونا تلعة إلّابهما ؟
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : « الأمر من اللَّه والحكم » . ثمّ تلا هذه الآية :« وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً »« 2 » انتهى « 3 » .
أقول : ليس المراد بالأمر والحكم ما يقابل النهي ، وإلّا لم يستقم الكلام ؛ لأنّ كلّ ما وقع من المأمور به والمنهيّ ، عنه بالقضاء والقدر ، فالمراد بهما تعلّق إرادته تعالى وتأثيره وإيجاده مقارناً لتعلّق إرادة المؤثّرة للعبد وتأثيره ، فمعنى قوله تعالى على هذا أنّ عدم عبادتكم إلّاإيّاه وإحسانكم بالوالدين بقضاء اللَّه تعالى ، أي بإيجاده ومشاركة تأثيره تعالى لتأثيركم ، واللَّه تعالى يعلم .
هامش
( 1 ) . ص ( 38 ) : 27 - 28 .
( 2 ) . الإسراء ( 17 ) : 23 .
( 3 ) . كتاب التوحيد ، ص 382 ، باب 60 ، ح 28 .