والقَدَرِ مَسيرُنا ومُنقلبُنا ومُنصَرَفُنا ؟ فقالله : « وتَظُنُّأنّه كانَقضاءً حتماً وقدراً لازماً ؟
إنّه لو كانَ كذلك لبَطَلَ الثوابُ والعقابُ والأمرُ والنهيُ والزجرُ من اللَّه ، وسَقَطَ معنى الوعد والوعيد ، فلم تَكُنْ لائمَةٌ للمذنِب ولا مَحمَدَةٌ للمحسن ،
شرح
مقابلة فعل العبد ، فبينهما فرق قد بيّنه عليه السلام كما يقتضيه علمه الثاقب ورأيه الصائب « 1 » . انتهى .
والثاني : أنّه لو كان كذلك لبطل الأمر والنهي ؛ لأنّهما عبارتان عن الإعلام بمصالح بعض الأفعال ومنافعها ، وبمفاسد بعضها ومضارّها ، يختار العبد ما فيه المصلحة والمنفعة ، ويترك ما فيه المفسدة والمضرّة ، وظاهر أنّ ذلك الإعلام في صورة الجبر وعدم تأثير الاختيار والإرادة سفه وعبث ، تعالى اللَّه عن ذلك .
والثالث : أنّه لو كان كذلك لبطل الزجر ، وزواجر اللَّه تعالى بلاياه النازلة على العصاة بإزاء عصيانهم ، وأحكامه في القصاص والحدود ونحو ذلك .
تقرير الدليل أنّ زجر المجبور بأحد المعاني المذكورة سفه وقبيح في نفسه ، تعالى عنه .
والرابع : أنّه سقط معنى الوعد والوعيد ، أي المقصود من الوعد والوعيد من إتيان الحسنات وترك السيّئات ؛ لأنّ ذلك لا يعقل من المجبور في أفعاله ، فالوعد والوعيد سفه وعبث ، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً .
قوله : ( فلم يكن لائمة للمذنب ولا محمدة للمحسن )
دليل خامس عليه متفرّع على الأدلّة الأربعة ، يعني إذا سقط وبطل الثواب والعقاب ، والأمر والنهي ، والزجر والوعد والوعيد بسبب كون العبد مجبوراً في أفعاله ، فلم يكن ولم يصحّ لائمة للمذنب ، ولا محمدة للمحسن ؛ لأنّ المحمدة هو الثناء على الجميل الاختياري ، واللائمة هي ما يقابله من الذمّ على القبيح الاختياري وهي التثريب والتنديم ، ومعلوم بديهة أنّه لا يستحقّهما المجبور .
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة ، قصار الحكم ، رقم 42 .