شرح
والإيجاد فرع الوجود ، فيكون إيجاده بغيره ، فلم يكن مستقلًاّ في الإيجاد ، فلم يكن شريكاً لموجده ومبقيه وحافظه وممكّنه عن التأثير ، بل يكون بمنزلة آلة لموجده ومن يجعله بحيث يؤثّر ويمكّنه من التأثير بتهيئة أسباب تأثيره وفعله ، مثلًا يقال : المنشار شريك للنجّار في النشر ، والقلم شريك للكاتب في الكتابة ، بل نقول : إذا حصل من مؤثّر وليكن « أ » أثر وليكن « ب » ثمّ حصل من « ب » أثر آخر وليكن « ج » فمن تبصّر وتفطّن بأنّ تأثير العلّة في المعلول حال وجود المعلول ، وأنّ الأثر متقوّم متحصّل في تمام زمان وجوده بعلّته ومؤثّره ، ولم يتقوّم آناً من غير مؤثّره ، فتفطّن وتبصّر بأنّ « ج » إنّما حصل ووجد من « أ » حقيقة ، وأنّه متقوّمة ومتحصّلة بالمؤثّر الأوّل وهو « أ » .
ومن هذا القبيل إذا أشرقت الشمس على موضع ، وأنار بنورها شيئاً ، ثمّ حصل من ذلك النور نور آخر أو حرارة ، فكلّ عاقل بصير يعلم أنّ النور الثاني والحرارة الثانية من الشمس ، ويسندهما إليها .
فأثر الممكن المفروض من الواجب المؤثّر في الممكن حقيقة ، فالكلّ منه بل الكلّ من عنده ، فلا يتعدّد على هذا التقدير أيضاً الإله الخالق للعالم ، فثبت بما ذكرنا ما هو المطلوب ؛ فتأمّل .
الدليل الثالث :
ما أشار إليه قوله تعالى :« لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا »« 1 » فإنّه لو كان في السماوات والأرض إلهان واجبا الوجود بالذات ، فإمّا أن يوجد ويؤثّر كلّ منهما في السماوات والأرض ، وإمّا أن يوجد ويؤثّر أحدهما في السماء ، والآخر في الأرض . وعلى الأوّل يلزم توارد العلّتين المستقلّتين « 2 » على معلول واحد شخصي . وعلى الثاني يلزم الترجيح بلا مرجّح .هامش
( 1 ) . الأنبياء ( 21 ) : 22 .
( 2 ) . في النسخة : « المستقلّين » .