شرح
مرّ ما يكون نفس حقيقته من حيث هي هي ومحوضة ذاته وصرافتها حيثيّةً لانتزاع الوجود ، ومصداقاً لصدق الموجود ، ومن البيّن أنّ نفس الأمور المختلفة المتباينة من غير اشتراك في ذاتي لا تكون « 1 » حيثيّة انتزاع معنى واحد ، وهو الوجود والموجوديّة ، ولا يكون أمور متباينة غير مشتركة في ذاتي من حيث إنّها متباينة مصداقاً لصدق معنى واحد قطعاً على ما يشهد به الفطرة السليمة ، وكيف تختلف حيثيّة انتزاع معنى واحد كما حقّقنا ذلك فيما سبق .
وبعد تمهيد هاتين المقدّمتين نقول : لو تكثّر الواجب الحقّ المؤثّر في العالم ، فيكون له أفراد متعدّدة يكون كلّها موجوداً بحتاً ، والموجود البحت على ما مرّ لا يكون مختلفاً بالحقيقة ، فيكون الجميع متماثلة متوافقة الحقيقة ، فلو كانت كلّها مؤثّرة ، وآثار الأمور المتشابهة متشابهة ، يلزم أن يصدر عن كلّ منها ما صدر عن مثله ، فيجب أن يكون لهذا العالم أمثال متشابهة بعدّة الواجبات المتماثلة ، لكنّ العالم واحد ، فالواجب المؤثّر في العالم واحد .
فإن قيل : لِمَ لا يجوز أن يكون الإله الخالق المتعدّد المؤثّر في العالم واجباً وممكناً ؟ « 2 » وليس فيما ذكرت ما يدلّ على بطلان هذا الاحتمال .
قلنا : هذا الممكن الخالق المؤثّر لا يمكن أن يستند إلى ذلك الواجب الواحد ؛ فإنّه لو استند إلى واجب آخر ، يلزم ما مرّ من تعدّد العالم الجسماني ، وإذا كان مستنداً إلى ذلك الواجب ، يكون ذلك الممكن غير مستقلّ في فعله وتأثيره ، فإنّه إذا فرض فاعلان يكون أسباب فعل أحدهما من الآخر ، لم يكونا شريكين في الفعل ، بل يكون الذي تهيّأ أسباب فعله من الآخر واسطة وآلة للآخر ، ولا يخفى أنّ وجود الفاعل من أسباب فعله وكذا قدرته وتمكّنه من الفعل ، ولأنّ الممكن لا يؤثّر بإمكانه ، بل لا يؤثّر إلّابعد أن يكون واجباً ، فإذاً كان غيره موجباً موجداً له ، وتأثير العلّة في حال وجود المعلول ، ووجوده منوط مربوط بعلّته ،
هامش
( 1 ) . في النسخة : « لا يكون » .
( 2 ) . في النسخة : « واجب وممكن » .