رجلٌ عالمٌ آخِذٌ بعلمه ، فهذا ناج ، وعالمٌ تاركٌ لعلمه ، فهذا هالك ، وإنَّ أهلَ النار لَيَتَأذّونَ من ريح العالم التارك لعلمه ، وإنَّ أشدَّ أهلِ النار نَدامةً وحسرةً رجلٌ دعا عبداً إلى اللَّه ، فاستجاب له وقَبِلَ منه ، فأطاع اللَّه ، فأدخَلَه اللَّهُ الجنّةَ وأدخَلَ الدَّاعِيَ النارَ بتَرْكه علمَه ، واتّباعِهِ الهوى وطولِ الأمل ، أمّا اتّباعُ الهوى فيَصُدُّ عن الحقّ ، وطولُ الأمل يُنسي الآخرةَ » .
2 . محمّد بن يحيى ، عن أحمدَ بن محمّد ، عن محمّد بن سنان ، عن إسماعيلَ بن جابر ، عن أبي عبداللَّه عليه السلام ، قال : « العلمُ مَقرونٌ إلى العمل ، فمَن عَلِمَ عَمِلَ ، ومن عَمِلَ عَلِمَ ،
شرح
وقوله : ( آخِذٌ بعلمه ) أي عامل بمقتضى علمه .
وقوله : ( تارك لعلمه ) أي تارك لمقتضى علمه من الإتيان بالمأمورات ، والكفّ عن المنهيّات بل عامل بخلاف علمه بسبب اتّباع الهوى وطول الأمل .
و ( الهوى ) بفتح الهاء والقصر هوى النفس ، أي اشتهاؤها وحبّها .
قوله عليه السلام : ( العلم مقرون إلى العمل )
أقول : لعلّ المراد من العمل هاهنا ما يعمّ من القطعي في الأصول والظنّي في الفروع .
وقوله : ( مقرونٌ إلى العمل ) إلى قوله : ( والعلمُ يَهتِفُ ) يحتمل أن يكون أمراً في صورة الخبر ، والمعنى : أنّه اجعلوا علمكم مقارناً لعملكم حتّى يرتّب عليهما معاً النجاة والمغفرة ، كما يدلّ على ذلك اقترانه مع العمل في كتاب اللَّه تعالى كقوله جلّ ذكره :« الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ »وتعليق المغفرة والنجاة عليهما معاً ، فمن علم يجب أن يعمل بمقتضى علمه ، ومن عمل شيئاً يجب أن يعمل على طبق علمه لا على خلافه بمقتضى هوى نفسه .
والظاهر أن يكون خبراً ، وحينئذٍ معناه أنّ العلم مقرون إلى العمل في البقاء لا في الحدوث ، والمراد أنّ بقاء العلم بالعمل ، فمن علم علماً باقياً في مدّة طويلة كان ذلك لاستقراره ورسوخه بسبب علمه ، سواء كان ذلك العلم ظنّياً فرعياً متعلّقاً بالعمل أم قطعياً اصولياً ؛ لما عرفت من أنّ أصول الدين إنّما يبقى على وجه الكامل مع العمل ، وأمّا مجرّدة عن العمل فيضعف ، ويطرأ عليه الغفول والنسيان ، ويتطرّق عليه الشبه والشكوك ، ومن عمل كان علمه - سواء كان من الأصول أو الفروع المتعلّقة بالعمل - باقياً في مدّة طويلة ما دام