يقصد به العبادة .
وهاهنا وجه اخر أولى الوجوه ، وهو ان المراد اعبدوا ربكم « 1 » الّذي هو ربكم في الحقيقة لا ما تصور تموه من الصور الوهمية وغيرها ، فان أكثر الناس يعبدون غير اللّه مما تصوروه إلها وليس باله ، فالعارفون باللّه خاصة هم الذين يعبدون ربهم الّذي خلقهم ، وغيرهم يعبدون الّذي خلقوه وصوروه في أوهامهم وإليه الإشارة بقوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
( الجاثية - 23 ) .
والثالث قوله :
وَافْعَلُوا الْخَيْرَ
، قال ابن عباس : يريد صلة الرحم ومكارم الأخلاق ، وقيل : الوجه في هذا الترتيب ان الصلاة نوع من أنواع فعل الخير وهو ينقسم إلى خدمة المعبود الّذي هو عبارة عن تعظيم امر اللّه وإلى الاحسان الّذي هو عبارة عن الشفقة على خلق اللّه ويدخل فيه البر والمعروف والصدقة على الفقراء وحسن القول في الناس .
وكأنه قال سبحانه : كلفتكم بالصلاة بل كلفتكم بما هو أعم منها وهو العبادة بل بما هو أعم من العبادات وهو فعل الخيرات لعلكم تفلحون ، معناه لتفلحوا والفلاح الظفر بنعيم الآخرة وانما اوتى بلفظ الترجى اعتبارا له بالقياس إلينا ، لان العواقب مستورة منا والمؤمن ما دام في الدنيا لا يخلو عن الخوف والرجاء ، وكل ميسر لما خلق له .
والرابع قوله :
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ
، وهاهنا سؤالات :
الأول انه ما وجه هذه الإضافة وكان القياس حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه ؟ والجواب : ان الإضافة تكون بأدنى مناسبة ، ولما كان الجهاد مختصا باللّه من حيث إنه مفعول لوجهه ومن اجله صحت الإضافة إليه .
السؤال الثاني وهو انه ما هذا الجهاد فيه ؟ وذكروا فيه وجوها : أحدها جاهدوا الكفار خاصة ، ومعنى حق جهاده ان لا يفعل الا عبادة لا رغبة في الدنيا من حيث الاسم
هامش
( 1 ) اى بقصد التقرب والسلوك إلى اللّه تعالى وطلب التخلق باخلاقه والتحقق بصفاته بحيث يؤدى إلى كون العبد باقيا ببقائه لا بابقائه وهكذا « نوري » .