إليهم في الآية السابقة بقوله :
وَمِنَ النَّاسِ
.
وثالثها قوله تعالى :
وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
، وقد علمت أن هذه المنزلة ليست لسائر المؤمنين وانها مختصة باهل الكشف والشهود .
ورابعها قوله :
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ
، والمراد به مجاهدة النفس على الوجه الأتم ، والتكليف به لجميع الناس تكليف بما لا يطاق فهو مختص باهل اللّه وأهل الاجتباء وميسر لما خلق له ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
، اى وسعنا لكم وشرحنا صدوركم ورفعنا ثقله عنكم كما في قوله تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وآله :
أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ
( الانشراح - 1 - 3 ) ، وللغفلة عن أن المكلف بالمذكورات هم أهل الخصوص ذهب بعضهم إلى أن الآية منسوخة بقوله تعالى :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
( التغابن - 16 ) ، لان التكليف بها تكليف بما لا يطاق .
واعلم أنه تعالى لما تكلم في الآيات المتقدمة في الإلهيات ثم في النبوات اتبعه بالكلام في الشرائع والعمليات وهو من أربعة وجوه : أحدها تعيين المأمور وثانيها اقسام المأمور به وثالثها ذكر ما يوجب قبول تلك الأوامر ورابعها تأكيد ذلك « 1 » .
اما النوع الأول وهو تعيين المأمور فهو قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا *
، وفيه أقوال :
الأول ان المراد به كل المكلفين سواء كان مؤمنا أو كافرا ، لان التكليف بهذه الأشياء عام في كل المكلفين فلا معنى لتخصيص البعض « 2 » بذلك .
والثاني ان المراد منه المؤمنون خاصة دون الكفار ، اما أولا فلان اللفظ صريح فيه ، وأما ثانيا فلان قوله :
هُوَ اجْتَباكُمْ
وقوله :
هُوَ سَمَّاكُمُ ، الْمُسْلِمِينَ
، وقوله :
لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ *
، كل ذلك لا يليق الا بالمؤمنين لا يشمل غيرهم ، غاية ما في الباب ان يقال : لما كان المأمور به واجبا على الكل فأي فائدة في تخصيص المؤمنين به ؟
هامش
( 1 ) ذلك التكليف « التفسير الكبير » .
( 2 ) المؤمنين « التفسير » .