الأنبياء على سر الملائكة لخالفوهم ، ولو اطلع الملائكة على سر اللّه لطاحوا حائرين وبادوا بائدين « 1 » .
والسبب في ذلك ان العقول والأذهان لا يحتمل الاسرار القوية كما لا يحتمل الابصار الضعيفة كابصار الخفافيش نور الشمس ، وكذلك كل مرتبة من النور القوى لا يحتمل ما هو أقوى منه وأشد كثيرا فيضمحل في مشهده ، وكذلك في قوله :
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ
( الكوثر - 1 ) ، فالكوثر صورته صورة الماء وحقيقته حقيقة العلم .
لست أقول المراد من هذه الأمثال الواردة في القرآن مقصور على معانيها الباطنة العقلية من غير تحقق صور « 2 » المحسوسة كما يقوله الباطنية كلا ، بل نقول : الغرض منها العبور من مظاهرها إلى مطاويها ومن صورها إلى معانيها ، فان للقرآن ظهرا وبطنا وتفسيرا وتأويلا .
ثم إذا شبه العلم مطلقا بالماء فيترتب عليه تشبيه اقسامه باقسام المياه كتشبيه العلوم الحقة الخالية عن الشبه والشكوك بالماء الطاهر الزلال والعلوم التي بخلافها بالماء الكدر المخلوط بالكثائف ، وكتشبيه اليقينيات الدائمة بماء الجاري ابداء والتي بخلافها بالماء المنقطع ، وتشبيه العلم الّذي يفيض من عند اللّه بالهامه بلا واسطة معلم بشرى بالماء النازل من السماء الجاري في الأودية بلا سعى وتعمل آلة وحفر قناة واستنباط .
والّذي يحصل بالفكر والروية كالماء المستنبط من الأرض بالحفر ونحوه ، والّذي يحصل بالتقليد كالماء الّذي يفرغ من حوض إلى حوض وإليه الإشارة بقوله عليه السلام : يفرغ بعضها من بعض ، اشعارا بان علوم أئمة الضلال ليست مستفادة من قبل اللّه ورسوله ولا مأخوذة أيضا باستنباط من كتاب أو سنة ، بل يأخذه بعضهم من أفواه
هامش
( 1 ) ومقام سر الاسرار الّذي هو سر اللّه تعالى هو الختميين صلى اللّه عليهم أجمعين ، إذ الولاية المطلقة منصبهم الاعلى الّذي هو فوق المناصب وهي مظهر العجائب ومظهر الغرائب ، والولي المطلق هو سر اللّه الساري في السماوات والأرضين ، اللّه نور السماوات والأرض مثل نوره . . .
الآية . « نوري » .
( 2 ) صورها - م .