أعظم فتنة أبدعها الشيطان وانتشرت بين الناس يتشبث بها المنافقون المعرضون عن طريق الحق من انكار الحكمة واليقينيات والاقتصار على الظنون والنقليات ، وانما عبر عن ايجاد الأشياء باجرائها تنبيها على أن وجودات الأشياء الكونية على وجه السيلان والتجدد وانها تدريجية الوجود من باب الحركة والزمان - كما حققناه وأثبتنا به حدوث العالم بجميع ما فيه - .
وقوله : فجعل لكل شيء سببا ، اى لكل موجود سواه ، فان الممكن مفتقر إلى السبب لا في امكانه ولا في شيئيته بل في وجوده ، فالمجعول هو وجود الانسان مثلا لا ماهيته ولا انسانيته ولا كونه انسانا أو حيوانا بالجعل البسيط أو المركب كما بين في مقامه ، وقوله : وجعل لكل سبب شرحا ، اى حدا أو رسما وهو الّذي يقال له القول الشارح في عرف النظار ، فالحد للمركبات سواء كان من المواد والصور أو من الأجناس والفصول ، والرسم للبسائط وهو من الخواص والاعراض اللازمة .
وقوله : وجعل لكل شرح علما ، أراد بالعلم اليقين كما هو عرف القرآن والحديث ، وفيه إشارة إلى ما بين في الحكمة ان الحد للشئ والبرهان عليه متشاركان في الاجزاء والحدود ، وما لا حد له لا برهان عليه وكذا العكس ، وان العلم اليقيني بذى السبب لا يحصل الا من جهة سببه وهو البرهان .
فكما ان العلم بوجود الشيء لا يحصل الا بالبرهان فكذلك معرفة حده وشرحه لا يحصل الا بالبرهان ، لان اجزاء شرحه الحدى هي بعينها أسباب وجوده في ذاته واجزاء شرحه الرسمي هي أسباب وجوده على صفة « 1 » ، وقد جعل اللّه لكل من هذه المطالب علما يستفاد بالبرهان وهو معرفة الشيء من جهة سببه .
وقوله : وجعل لكل علم بابا ناطقا عرفه من عرفه وجهله من جهله ، الضمير الأول في كل منهما راجع إلى العلم والثاني إلى الباب ، وقد علمت فيما سبق ان حجة اللّه حجتان :
حجة باطنة وحجة ظاهرة .
فالأولى الأنبياء ومن يحذو حذوهم في الاخذ عن اللّه بواسطة البرهان العقلي .
هامش
( 1 ) على صفته - م .