والعمى ، فان الاقرار بها يوجب اتباع أئمة الدين واقتفاء آثار العلم واليقين وعلامات هدى اللّه وإليه أشار بقوله : واتبعوا آثار الهدى فإنهم علامات الأمانة والتقى ، وقد حققنا معنى الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال ولم يحملها الا الانسان الكامل .
وقوله ، واعلموا انه لو انكر رجل عيسى بن مريم عليه السلام وأقر بمن سواه من الرسل لم يؤمن ، أراد به ان الايمان بالرسول صلى اللّه عليه وآله لا يتم الا بالايمان بمن بعده من الأئمة عليهم السلام ، لان سبب وجوب الايمان والطاعة مشترك بينه وبين الأئمة عليهم السلام وهو الحاجة إلى من يقود الناس ويهديهم في كل زمان .
وأوضح ذلك بان من انكر واحدا من الرسل والأنبياء كعيسى عليه السلام وأقر بمن سواه منهم لم يكن مؤمنا بهم ولا بأحدهم في الحقيقة ، لان العلة مشتركة بين الجميع ، فمن آمن ببعضهم دون بعض فليس ايمانه الا مجرد الاقرار باللسان دون الضمير والا فلا معنى للتفرقة بينهم كما في قوله تعالى حكاية عن قول المؤمنين باللّه ورسوله :
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ *
( البقرة - 136 ) ، فكذلك يجب ان يكون الامر في باب الأئمة والأوصياء عليهم السلام من وجوب طاعته كلهم وانقيادهم واتباع سبيلهم جملة من غير فرق .
ثم استأنف الكلام تأكيدا وتوضيحا بقوله : اقتصوا الطريق ، اى اتبعوا سبيل الحق واسلكوها بالتماس المنار ، اى العلامة كيلا تضلوا ولا تخرجوا عن الطريق إلى أودية الهلاك ، وقوله : والتمسوا من وراء الحجب الآثار ، عطف تفسير لما قبله مع زيادة اعتراضية افادها تنبيها على شدة الحاجة إلى التماس المنار والآثار ، فان الأعمى في الظاهر له حجاب واحد وهو فقد بصره وأكثر الناس لهم حجب كثيرة يحجبهم عن سبيل الحق بعضها داخلية وبعضها خارجية .
فالداخلية كالجهل وسائر الأمراض القلبية مما يطول شرحها - وسيأتي في كتاب الايمان والكفر - ، والخارجية كالأئمة والامراء المضلين وعلماء الدنيا الجاهلين بحقائق الدين واسرار اليقين وسائر المعطلين والأشرار وأبناء الشياطين وجنود