القرآن ، فشتان بين نبيين رسولين : نبي يجيء ويكون هو بذاته نورا « 1 » ومعه كتاب ونبي يجيء ومعه نور من الكتاب ، وفرق أيضا بين ما شرف به من اكرام الحق وبين ما شرفوا به ، فقال تشريفا لموسى عليه السلام كليمه :
وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً
( الأعراف - 145 ) ، وقال تشريفا لحبيبه :
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
« 2 » ، وقال تشريفا لامته :
أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ
( المجادلة - 22 ) ، فشتان بين نبي تشرف بكتابة الموعظة له في الألواح وبين نبي تشرف أمته بكتابة الايمان لهم في قلوبهم .
والايمان عبارة عن العلم باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، فما أعظم واشرف قدرهم فضلا عن قدر نبيهم ؟ وله الخلافة الكبرى ومظهرية الاسم الجامع الإلهي وهو الاسم اللّه الجامع لجميع الأسماء ، الّذي منه الفيض والاستمداد عليها ، وكذا حال مربوبه ومظهره وهو حقيقة المحمدية التي ترب صور العالم ومعانيها ، فبصورتها التي هي مظهر الاسم الظاهر يرب صور العالم وبباطنها يرب باطن العالم ، لأنه صاحب الاسم الأعظم وله الربوبية المطلقة على الأسماء كلها ولهذا قال تعالى :
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ *
( التوبة - 33 ) .
وروى أنه قاله صلى اللّه عليه وآله : خصصت بفاتحة الكتاب ، وهي مصدرة بقوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
( الفاتحة - 1 ) ، فجمع عوالم الأجسام والأرواح كلها ، وهذه الربوبية من جهة حقيقته لا من جهة بشريته ، فإنها من تلك الجهة فهي عبد مربوب محتاج كما نبه عليه بقوله تعالى :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ *
( الكهف - 110 ) ، ونبه
هامش
( 1 ) فالنور الحقيقي القرآني صار في حقه صلى اللّه عليه وآله جوهريا والنور الكتابي صار في حقهم عرضا وعرضيا ، وهذا كالفرق بين النيرين الشمس والقمر والأنوار التفصيلية يقوم بقلبه قيام صدور وبقلبهم قيام عروض « نوري » .
( 2 ) النجم - 10 ، مرتبة أوحى ما أوحى درجة الحكمة التي هي نور ينكشف به حقائق الأشياء كما هي واثر المواعظ كما قرر في محله انما هو عقد القلب على العمل بدين الحق ولا يوجب نور الايمان ولا يلزم منه اليقين بخلاف الحكمة ، قال اللّه تعالى :ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ. . . الآية « نوري » .