ثم قال مؤكدا لمعناه ومؤيدا لفحواه :
وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ
( آل عمران - 4 ) ، سماه الفرقان كما سماه القرآن كل منهما من جهة أخرى ، فالقران للمقام الجمعي والعلم الاجمالي وهو المسمى عند الحكماء الإلهيين بالعقل البسيط والفرقان لمقام الفرق والعلم التفصيلي المسمى عندهم بالعقل النفساني المنبعث من العقل البسيط انبعاث القدر من القضاء والقضاء من العناية ، لان العقل القرآني كل الأشياء كما مرت الإشارة إليه .
وأيضا سمى القرآن فرقانا لحصول الفرق بين تنزيله على قلب رسول الامى وبين انزال الكتب على ظاهر الأنبياء أو نفوسهم ، وكذا الفرق متحقق بين تعلمه القرآن وبين تعلمهم الكتب ، فإنهم كانوا يتدارسون الكتب والنبي صلى اللّه عليه وآله كان يتخلق بالقرآن ، فان أفاد لهم الحكمة فقد أفاد له ان اوتى جوامع الكلم وبه فضل على سائر الأنبياء وبخمس خصال أخرى لقوله : فضلت على الأنبياء بست ، وعد من جملتها بقوله أوتيت جوامع الكلم « 1 » ، فان كانت الكتب يتصرف فيهم ، بان يكون الكتاب مع أحدهم نورا من اللّه يجيء به إلى قومه ليكون هدى لهم كما قال تعالى :
قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً
( الانعام - 91 ) .
فان تصرف نور القرآن على قلبه جعله نورا من اللّه يجيء به إلى الأمة ومعه القرآن كما قال :
قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ
، وهو محمد صلى اللّه عليه وآله ، وكتاب مبين ، وهو
هامش
( 1 ) وهو تحليل الغنائم وطهارة الأرض واتخاذها مسجدا ، ونصر المعروف وهو الرعب ، واوتى جوامع الكلم واوتى مفاتيح خزائن الأرض وختم النبوة - هذا حاصل ما قال الشيخ الأكبر الشيخ محى الدين في الباب الثاني عشر من الفتوحات : ان هذه الست مما أوحى به في السماوات من قوله تعالى :وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها، وعين ايا من هذه هذه من اى سماء « نوري » .