حاكاها بالنار والحمام الحار وإن غلب عليه الرطوبة حاكاها بالثلج والشتاء وان غلب السوداء حاكاها بالأشياء السود والأمور الهائلة ، وانما حصلت صورة النار مثلا في - النخيل عند غلبة الحرارة ، لان الحرارة التي في موضع ، تتعدى إلى المجاور لها ، كما يتعدى نور الشمس إلى الأجسام ، بمعنى أنه يكون سببا لحدوثه ، إذ خلقت الأشياء موجودة وجودا فائضا بأمثاله على غيره ، والقوة المتخيلة منطبعة أو متعلقة في الجسم الحار فيتأثر به تأثيرا يليق بطبعها وعالمها ، فهي ليست بجسم حتى تقبل نفس الحرارة فتقبل من الحرارة ما في طبعها للقبول لها وهو قبول صورتها ومثالها .
وهكذا يكون تأثر النفس عن البدن والبدن عن النفس ، فان كلا منهما يتأثر عن صاحبه بنحو من الوجود يناسبه ، ألا ترى انه إذا غلب على النفس الغضب وهو هيئة نفسانية يتأثر منها البدن باحمرار وتسخن وهيئات بدنية ؟ وهكذا أفاعيل البدن وأوصافه يؤثر في النفس هيئات نفسانية تناسبها .
واما سبب معرفة الغيب ورؤية ما لا وجود له في الخارج في اليقظة فهو ما أقول :
من أن سبب الحاجة إلى النوم ووقوعه مما يكون غالبا من ضعف النفس وكون الحواس شاغلة لها حتى إذا ركدت الحواس اتصلت بالجواهر العقلية واستعدت بالقبول منها ، ويمكن ان يكون ذلك لبعض النفوس في اليقظة من وجهين .
أحدهما ان تقوى النفس قوة لا يشغلها بالحواس بحيث يستغرقها ويمنعها ، بل تسع قوتها بضبط الجانبين والنظر إلى الجهتين : جهة العلو وجهة السفل جميعا فلا يشغلها شأن عن شأن كما تقوى بعض النفوس فيجمع في حالة واحدة بين ان يكتب ويتكلم ويسمع ويرى ، فمثل هذه النفوس يجوز ان يفتر عنها في بعض الأحوال شغل الحواس ويطلع على عالم الغيب فيظهر لها منه بعض الأمور وهذا نوع من النبوة ، ثم إن ضعفت المتخيلة وقوى عين الحس الباطن بقي ما انكشف له من الغيب في حفظه وكان وحيا صريحا ، وان قويت المتخيلة واشتغلت بطبيعة المحاكاة فيكون هذا الوحي
شرح أصول الكافي — صفحة 438
مساهمون: محمد خواجوى
ص٤٣٨