إذا تقرر هذا فنقول : ان النفس قد يدرك ادراكا من الغيب فيبقى عين ما أدركته في الحفظ وقد يقبله قبولا ضعيفا يستولى عليه المتخيلة فيحاكيه بصورة محسوسة ، فإذا قويت تلك الصورة في المتخيلة استثبته عين الحس المشترك وتمثلت عنده فرأتها النفس بعين الحس مشاهدة وان كانت الأجفان مغمضة وكان في ظلمة شديدة أيضا .
والّذي يتخيله الانسان في اليقظة انما لا يرى بعين الحس المشترك حتى يصير مبصرا ، لان الحس المشترك مشغول بما يؤدى إليه الحواس الظاهرة وهو أغلب ، ولان العقل يكسر من المتخيلة اختراعها ويكذبها ولا تقوى تصورها في اليقظة ، فمهما ضعف العقل عن الرد والتكذيب بسبب مرض من الأمراض أو خوف شديد لم يمنع ان ينطبع في الحس المشترك كما عليه الجمهور أو يحضره عنده كما نحن عليه ، فيرى المريض صورا لا وجود لها .
وكذا إذا غلب الخوف واشتد الوهم وضعف العقل المكذب تمثل صورة المخوف للحس حتى يشاهدها ويبصر ما « 1 » يخافه ، ولهذا قديرى الجبان الخائف صورا هائلة لا وجود لها والغول الّذي يبصر في الصحارى ويسمع كلامه هذا سببه ، وقد يشتد شهوة هذا العليل لضعف ما ، فيشاهد ما يشتهيه ويمد يده إليه ويرجع كأنه يأكل ويرى اشخاصا وأشياء لا وجود لها .
فإذا تمهدت هذه المعلومات فنقول : أصول المعجزات والكرامات ثلاثة أمور :
لان الانسان الكامل ذو اجزاء ثلاثة : طبيعة ونفس وعقل ويقال له الروح أيضا ، وكل منها من عالم اخر ولكل منها كمال ونقص ، وقل من الانسان ما يكون كاملا في الجميع .
فكمال الروح وهو العقل النظري بالعلم بالحقائق والأمور الإلهية .
وكمال النفس وهي القوة الخيالية باستثبات الصور الجزئية .
وكمال الطبيعة هو التصرف في المواد بالإحاطة والقلب والتحريك .
والنبي هو الشخص الكامل في الجزء النظري من جهة الالهام من اللّه ، فإذا حصلت
هامش
( 1 ) ويبصرها ما يخافه - م .