بهذا القسم كتخصيص اسم الحكمة بالطب الّذي هو من فروع أدنى اقسامها اعني الطبيعي ، فيقال للطبيب الطرقى « 1 » انه حكيم ، فهكذا نسبة الفقه الّذي هو حفظ الفتاوى إلى أصل الفقه الّذي كان معروفا عند الأئمة الهادين عليهم السلام ومن على سيرتهم من الذين سبقونا بالايمان والتابعين لهم باحسان .
واعلم أنه ذكر أبو حامد الغزالي في كتابه الاحياء في مبدأ نشو علم الفتاوى والاحكام وسبب تدوينه وتدوين علم الكلام : ان الخلافة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله تولاها الخلفاء وكانوا عالمين بالاحكام الدينية مشتغلين بالفتاوى في الأقضية ، وكانوا لا يستعينون بالفقهاء الا نادرا في وقائع لا يستغنى فيها عن المشاورة ، فتفرغ العلماء بعلم الآخرة وتجردوا لها وكانوا يتدافعون الفتاوى وما يتعلق باحكام الخلق من امر الدنيا واقبلوا على اللّه بكنه اجتهادهم كما نقل من سيرهم ، فلما أفضت الخلافة بعدهم إلى أقوام تولوا بغير استحقاق واستيهال واستقلال بعلم الفتاوى والاحكام اضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم لاستفتائهم في جميع مجارى احكامهم .
وكان قد بقي من علماء التابعين من هو مستمر على الطرز « 2 » الأول ومواظب على سمت علماء السلف ، فكانوا إذا طلبوهم هربوا واعرضوا ، واضطروا الخلفاء إلى الالحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات ، فرأى أهل تلك الاعصار عز العلماء واقبال الولاة والحكام عليهم مع اعراضهم عنهم فاشرأبوا لطلب العلم توصلا إلى نيل العز ودرك الجاه من قبل الولاة ، فاكبوا على علم الفتاوى وعرضوا أنفسهم على الولاة وتعرفوا إليهم وطلبوا الولايات والصلات منهم ، فمنهم من حرم ومنهم من انجح ، والمنجح لم يخل عن ذل الطلب ومهانة الابتذال .
فأصبح الفقهاء - بعد ان كانوا مطلوبين - طالبين ، وبعد ان كانوا أعزة بالاعراض
هامش
( 1 ) اى : الّذي جلس على شوارع الطرق ويتداوى الناس ، أو الّذي يد حرج القرعة على اكف السوادية في شوارع الطرق .
( 2 ) الطراز « الاحياء » .