علوي من عالم الامر فائض على هذا البدن بأمر اللّه وقوله :
كُنْ فَيَكُونُ *
( البقرة - 117 ) ، وهو مستور عن الحواس غير متدنس بالأرجاس والأدناس وأنكره أكثر الناس وهم النازلون في مهوى الحيوانات ومنزل الدواب ولم يحصل لهم هذا الجوهر العقلي ولم يجعل اللّه لهم هذا النور ، فهم بعد في ظلمة الوهم مترددون لما بينا في كتبنا البرهانية :
ان جمهور الناس نفوسهم حيوانية خيالية ، وهذا الجوهر الرباني والنور العقلي انما يوجد في أهل الكمال العلمي من الذين خرجت نفوسهم بالعلم والعمل من حد القوة إلى الفعل ومن حدود النفوس إلى حد العقل ومن الظلمات إلى النور .
فإذا علمت هذه المقدمات فاعلم : انه عليه السلام أراد أن يشير إلى أن إبليس لكونه لم يتجاوز درجة نفسه من حد الوهم المشوب بالحس إلى حد العقل الخالص ، ولم ير من حقيقة آدم الا البدن المظلم المخلوق من الطين ، فقاس نفسه النارية المخلوقة من النار فقال اللعين :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ *
( الأعراف - 12 ) ، والنار خير من الطين ، فانا خير من آدم ، هذا نتيجة قياسه المغالطى الفاسد ، ومنشأ غلطه وجوه :
أحدها انه عليه اللعنة اخذ ما بالقوة مكان ما بالفعل ، فان الانسان انسان بما به موجود بالفعل لا بما به موجود بالقوة ، فالبدن المخلوق من الطين هو انسان بالقوة لأنه حامل القوة الاستعدادية لحدوث ما به يصير انسانا بالفعل .
وثانيها انه اخذ مادة الشيء مكان صورته ، فالانسان انسان بصورته لا بمادته وكذا كل موجود مركب من مادة وصورة ، فالسرير سرير بصورته السريرية لا بمادته الخشبية ، والسيف سيف بحدته الموجبة للقطع لا بحديده ، وعلى هذا القياس .
وثالثها انه اخذ ما ليس بعلة علة ، فان علة كرامة آدم واستحقاقه لمسجودية الملائكة ليست لأجل جسده المخلوق من الطين بل انما هما لأجل روحه الّذي هو سر من اسرار اللّه ونور من أنواره ، أو لأجل جامعيته لجميع ما هو متفرق في عالمي الملك والملكوت ومظهريته لجميع الأسماء الإلهية وهي المشار إليها بقوله تعالى :
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
( البقرة - 31 ) .