واما قوله : من تشبه بقوم فهو منهم ، فعلى تقدير اجرائه في كل نوع من التشبه فلا نسلم ان التشبه هاهنا متحقق ، فان العلم ونحوه من الأمور العقلية الباطنية ، وانى تحصل التشبه بالعالم بمجرد حفظ ألفاظ مسموعة ؟
ثم إنه تعالى قد ذم في كتابه حملة الالفاظ دون المعاني وشبههم بالحمار الّذي يحمل الاسفار في قوله تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ
( الجمعة - 5 ) . . . الآية ، وأيضا قال تعالى :
مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
( الاسراء - 72 ) ، وهو عمى القلب لا عمى العين ، وذلك العمى هو الجهل بالمعارف الدينية وهو لا يزول بمجرد حفظ صور الالفاظ والأقوال دون ادراك المعاني والأحوال ، وباللّه التوفيق .
الحديث الثامن وهو الحادي والثلاثون والمائة
« عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن أبيه ، عمن ذكره عن زيد الشحام عن أبي جعفر عليه السلام في قول اللّه تعالى :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ
( عبس - 24 ) ، قال : قلت ما طعامه ؟ قال : علمه الّذي يأخذه عمن يأخذه » .
الشرح
لما علمت أن الانسان مركب من جوهرين : أحدهما ظاهر محسوس هو بدنه الّذي به يشارك سائر الحيوانات فيأكل ويشرب ويناكح ويحيى ويموت كسائر أنواع الحيوان ، والاخر باطن مستور عن الحواس ثابت بالعقل والقياس ، وهو نفسه الناطقة التي هي لطيفة نورانية به يمتاز عن غيره من أنواع جنسه فيعقل ويفكر ويروى في العاقبة ، من شأنه ان يبقى بعد البدن ولا يموت بموته اما سعيدا أو شقيا .
فاعلم أنه كما أن للبدن صحة ومرضا وغذاء يتقوت به ويتقوى ويزيد جثته فكذلك للنفس الناطقة المسماة بالقلب بلسان الشريعة صحة ومرض كما قال تعالى :
إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
( الشعراء - 89 ) ، وقال :
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ *
( البقرة - 10 ) ، وموت هو موت