قوله عليه السلام : ان العالم العامل بغيره ، اى بغير علمه أو بغير ما يقتضيه علمه كالجاهل الّذي لا يتنبه بشيء من العلوم أصلا ولا يخرج من جهله الساذج البسيط وهذه المساواة ، لان العلم الّذي هو الكمال والفضل هو العلم الحقيقي الثابت والنور العقلي المسمى في القرآن بالهدى والحكمة والفضل ، لا العلوم الجزئية المتعلقة بالاعمال والافعال ، فهذه « 1 » إذا لم يعمل بها كان وجودها كعدمها ، ولان مثل هذه العلوم لتغيرها وتجددها لا تدوم يوم القيامة فتمحو وتزول ، فيكون حال مثل هذا العالم الّذي لم يعمل بعلمه في عدم العلم وانسلاخه عنه كحال الجاهل المتحير الّذي لم يتعلم أصلا ولم يفق عن جهله ابدا .
قوله عليه السلام : بل قد رأيت أن الحجة عليه أعظم والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ عن علمه منها على هذا الجاهل المتحير في جهله ، اما ان الحجة عليه أعظم فظاهر إذ لم يبق له مجال عذر في تركة العمل والطاعة واتيانه المعصية ، واما ان الحسرة عليه أدوم فلوجهين :
أحدهما انه يرى منازل العلماء الذين لم ينسلخوا عن العلم في الجنة ودرجاتهم في القرب منه تعالى فتشتد حسرته وندامته بادراك انه لو لم ينسلخ عن علمه بترك العمل لكان مثلهم في النعيم والقرب ، وهذا بخلاف حال الجاهل المحض الّذي لم يذق رتبة العلم قط .
والثاني ان النفس كلما كانت أقوى كان ادراكها للأمور المؤلمة أشد ، فان الحركات الفكرية سواء كانت في جانب الخير بمقتضى العقل الصحيح أو في جانب الشر بمقتضى الوهم الغالط تخرج بها النفس من القوة إلى الفعل .
واما النفوس العامية فكأنها لم تخرج بعد من القوة إلى الفعل في شيء من طرفي الخير والشر ، فلأجل ذلك يكون الحسرة والنكال على أهل الغواية والضلال أشد وأدوم منها على أهل الغباوة والجهال .
قوله عليه السلام : وكلاهما حائر بائر ، اى كلاهما مشترك في الحيرة والجهل ، لان أحدهما لم يكن عالما قط والثاني انسلخ عن علمه ونسيه فصار مثله في البوار
هامش
( 1 ) اى العلوم الجزئية .