المؤلف من قضايا إذا سلمت لزم عنه لذاته قول اخر ، وهو منقسم إلى اقسام خمسة :
أفضلها وأشرفها البرهان المؤلف من اليقينيات ، لأنه المعطى لليقين الدائم الّذي لا يزول ابدا ولا يزلزله الشكوك والأوهام ، وبعده الخطابة المؤلفة من المظنونات ، وهي مما يفعل فعل البرهان ولكن في الأذهان الصافية ، والقلوب اللطيفة ، ثم الجدل المؤلف من المشهورات والمسلمات وهو مما ينفع النفوس العامية ويقع به كسر قوة الجاحدين للحق وقمع صولة انكارهم حتى يستعدوا لسماع الحق بالبرهان ، ولا يستنكفوا عما يخالف ما تلقفوه تقليدا من الاباء والاسلاف ، وليكن هذا هو الغرض من استعمالها عند المجادلة لا مجرد الغلبة لتكون بالتي هي أحسن .
وإلى هذه الثلاثة التي هي العمدة أشير في الكتاب الإلهي تعليما من اللّه لنبيه صلى اللّه عليه وآله لدعوة الخلق في قوله تعالى :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
( النحل - 125 ) .
واما القسمان الآخران فهما الشعر المؤلف من التخييلات والمغالطة المؤلفة من المشبهة باليقينيات أو الجدليات وليست إياهما ، ويقال للأول : القياس السفسطى وللثاني : المشاغبى ، فأحدهما وهو الشعر لا ينبغي للنبي صلى اللّه عليه وآله لارتفاع منصب النبوة عما يشبه الهزل ،
إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ
( الطارق - 14 ) ، وكذا الثاني وهو المغالطة ، لان فائدتها اما الحذر عن الغلط أو تغليط الخصم المجادل ، ومرتبة النبي صلى اللّه عليه وآله وكذا من ينوبه من أهل العصمة تنافى ان يغلط ويتعالى عن أن يغلط .
والشعر وان كان مفيدا سيما للعوام فان التخييل ربما يؤثر في بعض الناس اقداما واحجاما أكثر من التصديق ، الا ان مداره على الأكاذيب فلا يليق بالصادق المصدوق كما شهد به قوله تعالى :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ
( يس - 69 ) .
بل المراد « 1 » به ما سماه الميزانيون التمثيل ، وهو كما سبقت الإشارة إليه اثبات الحكم في جزئي لثبوته في جزئي اخر لمعنى مشترك بينهما كقول القائل : العالم مؤلف فيكون حادثا ، قياسا على البيت وهو أضعف الحجج غير مفيد ليقين ، بل ولا ظنا قويا
و
هامش
( 1 ) اى : بالقياس .