السلام إلى القسم الاخر وهو النفاق في العمل بقوله : الا لا خير في عبادة ليس فيها تفكر ، وانما كانت تلك العبادة كذلك اى لا خير فيها ، لان صاحبها لا يخلو عن اعجاب بنفسه ، واعجاب المرء بنفسه من المهلكات كما مر .
وهاهنا نكتة لطيفة : وهي ان النفاق بالحقيقة عبارة عن ايثار الدنيا على الآخرة واختيار الأدنى الأخس على الارفع الأشرف ، فكل من آثر العمل على العلم واعمال الجوارح على الحركات الفكرية ، واستعمال الحواس والمشاعر « 1 » الجزئية على استعمال العقل والمدارك الكلية العقلية وكذا العلوم والصنائع الجزئية على العلوم الكلية والمعارف الحكمية فهو من أهل النفاق عند ذوى البصائر . وأصل هذه النفاقات استيلاء القوة الوهيمة التي هي رئيس القوى الحيوانية والشيطانية ، وهي أعظم جنود الكفر وحزب الشيطان قبل ان أسلمت وأطاعت وخدمت للقوة العقلية التي هي رئيس القوى الملكية والقوى المسلمة المطيعة وهي أعظم جنود الحق وحزب الرحمن .
واما الرواية الأخيرة فلا تخالف ولا تزيد على هذه الرواية إلا بتبديل لفظة ليس فيها تفكر بلفظة لا فقه فيها في قوله : الا لا خير في عبادة . . . إلى آخره وبايراد القضية الأخيرة هاهنا وهو قوله عليه السلام : الا لا خير في نسك لا ورع فيه ، والنسك وان كان معناه معنى العبادة كما هو المذكور في كتب اللغة ولكن يشبه ان يكون فيه زيادة تأكيد وكأنه عبادة مع زهد وهو الورع ، فكان المراد انه لا خير في عبادة لا زهادة معها ، فان الزهد الحقيقي منشؤه العرفان فلا يتحقق إلا مع العلم .
ولعل فائدة هذه الزيادة الواقعة في الرواية الأخيرة التنبيه على أن العبادة لا تتم بدون الزهد في الدنيا ، ومعلوم ان ذلك لا يتحقق الا بالعلم بحقارة الدنيا وجلالة قدر الآخرة وان ما عند اللّه خير وأبقى .
فثبت ان العلم هو الأصل في كل عمل صالح فعلا كان كالعبادة أو تركا كالزهد .
هامش
( 1 ) المدارك - النسخة البدل في الأصل للشارح .