ليس فيها تدبر ، الا لا خير في عبادة لا فقه فيها ، الا لا خير في نسك لا ورع فيه .
الشرح
قد مرّ سابقا ان اسم الفقه كان في أصل اللغة بمعنى الفهم مطلقا سواء كان في أمور الدين أو في أمور الدنيا ، يقال : فقه الرجل بالكسر يفقه فقها إذا فهم وعلم ، وفقه يفقه بالضم إذا صار فقيها عالما ، وقد جعله العرف السابق خاصا بعلم حقائق الدين ومعارف الايمان وعلم طريق الآخرة وكيفية سلوك سبيلها ثم خص بعلم الفروع الشرعية في عرف اللاحق ، فيقال لمن عرف المسائل الفرعية من العبادات والمعاملات والحدود وغيرها وان لم يعرف أصول المعارف وأحوال المبدأ والمعاد انه رجل فقيه .
والقنوط أشد اليأس من الشيء يقال : قنط يقنط وقنط يقنط « 1 » فهو قانط وقنوط والقنوط بالضم هو المصدر ، وقوله عليه السلام : لا يقنط الناس ، من باب التفعيل للتعدية أي لا يجعلهم قانطين من رحمة اللّه ، وقوله : لا يؤمنهم ، اى لا يجعلهم آمنا و « الا » حرف يفتتح به الكلام للتنبيه ، تقول : الا ان زيدا ضارب .
ذكر سلام اللّه عليه للفقيه بالعرف المتقدم علامات اربع يعرف بها : الأولى ان لا يقنط الناس من رحمة ربهم ، والثانية ان لا يؤمنهم من عذابه ، الثالثة ان لا يرخص لهم في شيء من معاصيه ، والرابعة ان لا يترك القرآن من حيث تلاوته والتدبر في آياته وسوره واستفادة العلوم كلها منه ، رغبة عن القرآن إلى غيره من الكتب سواء كانت سماوية أو غيرها . إذ فيه علم الأولين والآخرين لمن كان له فهم وفقه ، فمن اعرض عن القرآن وحاول اكتساب العلم والعرفان من كتب الفلاسفة وغيرهم فهو ليس بفقيه ولا عالم .
ولعله عليه السلام انما اخبر الناس بالفقيه أو عن الفقيه بذكر هذه العلامات على الخصوص له دون غيرها ، لان أكثر من يسمى عند الجمهور بهذا الاسم في كل زمان يكون موصوفا بأضداد هذه الصفات ، ويؤيد ما ذكرنا ان هذه المذكورات الأربعة كلها من باب السلوب ، فدل على أن الغرض التعريض بحال العلماء السوء المتظاهرين
هامش
( 1 ) اى بالفتح والكسر الثاني .