السبب الثالث القوة والأيد ويمنعه من التفاخر بها ان يعلم ما سلط عليه من العلل والأمراض ، فإنه لو توجع بعرق واحد على بدنه لصارا عجز من كل عاجز وأذل من كل ذليل ، وان سلبه الذباب شيئا لم يستنقذه « 1 » ، وان بقة لو دخلت انفه أو نملة دخلت اذنه لقتلته ، فمن لا يقدر ان يدفع عن نفسه ذبابة ولا يقاوم بقة ويعجزه شوكة دخلت في رجله فلا ينبغي ان يفتخر ، ثم رأى الفيل والجمل والحمار والبقر أقوى منه .
السبب الرابع الغنى وكثرة المال .
والسبب الخامس كثرة الاتباع والأنصار وولاية السلاطين وقربهم والتمكن من جهتهم ، والتكبر بهذين السببين أقبح أنواع التكبر ، لأنه بمعنى خارج عن ذات الانسان وصفاته كالجمال والقوة والعمل ، فالمتكبر بفرسه وداره لو مات فرسه وانهدم داره بقي ذليلا ، والمتكبر بتمكين السلاطين وولايتهم بناء امره على قلب أشد غليانا من القدر فان تغير عليه كان أذل الخلق .
وبالجملة فكل متكبر بأمر خارج عن ذاته فهو ظاهر الجهل فكيف المتكبر بالغنى والثروة والتجمل ؟ فان هذه شرف يسبقه اليهود به وانه شرف يأخذه السارق في لحظة فيعود صاحبه ذليلا مفلسا ذا وبال ونكال ، فالتفاخر به غاية الجهل .
السبب السادس التفاخر بالعلم ، وهذه الآفة أعظم الآفات وأشد الادواء ، لان قدر العلم عظيم عند اللّه وعند الخلائق وهو مع ذلك مشتبه به الجهل ، ولهذا قيل : إذا زل العالم زل بزلته العالم ، فينبغي للعالم ان لا يستعظم نفسه بالإضافة إلى الجاهل ، فان خطر العلم أكثر من خطر الجهل وحجة اللّه على أهل العلم اوكد ، وانه تعالى يحتمل من الجاهل ما لا يحتمل عشره من العالم ، وانه من عصى اللّه تعالى عن معرفة وعلم فجنايته أفحش إذا لم يقض حق نعمة اللّه في العلم ولذلك قال عيسى على نبينا وآله وعليه السلام « 2 »
هامش
( 1 ) لم يستنقذه منه « الاحياء » .
( 2 ) قال صلى اللّه عليه وآله « الاحياء » حديث متفق عليه من حديث أسامة بن زيد بلفظ :
يؤتى بالرجل .