تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
يأنفون من الانحناء فكان يسقط من الواحد سوط فلا ينحنى لأجله « 1 » ، وينقطع شراك نعله فلا ينكس رأسه لاصلاحه ، فلما كان السجود عندهم هو منتهى المذلة والضعة أمروا به لتنكسر بذلك خيلاؤهم ويزول كبرهم ويستقر التواضع في قلوبهم وبه امر سائر الخلق . فان الركوع والسجود والمثول قائما هو العمل الّذي يقتضيه التواضع ، فكذلك من عرف نفسه فلينظر كل ما يتقاضاه الكبر من الافعال فليواظب على نقيضه حتى يصير التواضع له خلقا ، فان القلوب لا تتخلق بالأخلاق المحمودة الا بالعلم والعمل جميعا ، وذلك لعلاقة خفية ارتباطية بل اتحادية بين النفس والبدن ، وسر الارتباط الّذي بين عالمي الملك والملكوت والغيب والشهادة لا يعرفه الا الكاملون في المعرفة . واعلم أن الّذي يعرض للمتكبرين له أسباب سبعة ليس شيء منها بكمال حقيقي ، انما الكمال بالحقيقة هو العلم الحقيقي لأنه باق لا يزال والعمل الصالح وسيلة إليه ، واما ما عداه مما يفنى بالموت فهو كمال وهمى ، فمن هذا تعسر على المتصف بالعلم الظاهري ان لا يتكبر ، وطريق العلاج في كل من تلك الأسباب السبعة بالعلم والعمل مذكور في موضعه ولنذكر أنموذجا من ذلك . السبب الأول النسب : فمن تكبر من جهته فليعالج قلبه بمعرفة امرين : أحدهما : ان هذا جهل من حيث تعزز بكمال غيره ، ولذلك قيل :
ان افتخرت بالباء ذوى شرف * قلنا : صدقت ولكن بئس ما ولدوا
فالمتكبر بالنسب إذا كان خسيسا في صفات نفسه فمن اين يجبر خسته بكمال غيره ؟ بل لو كان الّذي ينتسب إليه حيا لكان له ان يقول : الكمال والفضل لي ومن أنت ؟ وانما أنت دودة خلقت من بولي . والثاني ان يعرف نسبه الحقيقي فيعرف أباه وجده ، فان أباه القريب نطفة قذرة وجده البعيد تراب ، وقد عرف اللّه نسبه فقال :
وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ
( السجدة - 7 و 8 ) ، فمن كان هذا أصله كيف يتكبر إذ يقال له :
هامش
( 1 ) سوطه فلا ينحنى لاخذه « الاحياء » .