اما التواضع للمعلم فلكونه كالأب في كونه وسيلة لحياة المتعلم في دار الباقية ، فكما أوجب الشرع طاعة الأبوين والانقياد والتواضع وليس ذلك إلا لجعلها وسيلة لهذه الحياة للولد ، فكذلك أوجب العقل والشرع التواضع وحسن الانقياد للمعلم .
واما التواضع للمتعلم فذلك لماله من المدخلية في حصول الاجر والثواب للمعلم ، ولكونه باعثا لمزيد العلم للأستاذ وتمرنه بالمذاكرة والتكرار معه . ثم نهى عليه السلام عما هو ضد التواضع وهو التجبر والتكبر فقال : ولا تكونوا علماء جبارين .
ثم أفاد بقوله عليه السلام : فيذهب باطلكم بحقكم ، ان الجبارية والكبر امر باطل فيما سوى الرب تعالى وانه ممحق للعلم مزيل له ، لان كون العبد عالما باللّه ينافي كونه جبارا . فمتى كان الرجل متجبرا استحال كونه عالما بالحقيقة ، فمن ادعى العلم وتكبر على خلق اللّه فدل ذلك على أن علمه ليس بعلم حقيقي بل انما هو مجرد حفظ الأقوال من غير بصيرة ، واللّه قاصم ظهر المتكبرين ومهلك الجبابرة والفراعنة قال :
أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ
( الزمر - 60 ) . وفي الحديث الإلهي : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيها قصمت ظهره .
ثم إن قوله : ولا تكونوا علماء جبارين ، دال على أن دفع هذا المرض المهلك وعلاجه مما هو واقع تحت اختيار العبد والا لكان التكليف به تكليفا بما لا يطاق ، وعلاجه مذكور في كتب الاخلاق مستفاد من الشرع وهو المداومة على افعال المتواضعين والمواظبة على سنتهم وطريقهم .
بل نقول : دواء هذا المرض الباطني معجون مركب من اجزاء علمية وعملية :
اما العلمية : فان يعلم باللّه وتوحيده في الذات والصفات والافعال . وان كل وجود وكمال وجود من حياة وعلم ومعرفة فهو لا يكون إلا بفيض جوده ورحمته ، وان يعلم بان جميع ما سواه ليس لها في ذاتها متفردة عن آثار فيضه وكرمه الا الليس الصرف والعدم الساذج ، وان لا حول ولا قوة الا باللّه العلي العظيم .
ويعلم بان النفس الادمية في اوّل نشأتها ، كانت من أذل الأشياء وأدونها واضعفها وأخسها فخلقها اللّه وأوجدها بعد العدم وخلقها من النطفة القذرة ودم الطمث