ان مدار العلم بحقائق الأشياء بالاطلاع على جهة وحدتها ، وكل من كان علمه احكم وأقوى وارفع وأعلى ، كان اطلاعه على حقيقة الوحدة أكثر وهو على ارجاع الكثرات إلى الوحدة أقدر .
وأيضا كل موجود ، هو أشد وحدة وأتم بساطة فهو أكثر جمعية للفضائل و - المعاني وأوفر إحاطة بالموجودات ، حتى أن العقل لبساطته كل المعقولات والبسيط الحقيقي كل الموجودات ، وهو مع ذلك متفرد عن جميع الأشياء غنى عما عداه .
وقال أيضا : ان من أصعب الأشياء ان تعمل صناعة الصياغة بآلة الفلاحة أو صنعة النجارة بآلة الخياطة ، ولكل صنعة أداة لن يستوى عملها الا بها ، فمن أراد أن يعمل الخياطة فينبغي ان يرمى من يده آلة الفلاحة ويأخذ للخياطة اداتها التي تصلح لها ، فكذلك يا نفس ينبغي لمن أراد عمل الآخرة ، ان يترك من يده أداة الجهل والشر ، فخذي « 1 » للعلم والخير اداتهما ، فإنه متى عملتها باداتهما حصلا « 2 » بغير تعب ولا نصب ، واعلمى ان الشهوة والعلم وحب الدنيا والخير لا يجتمعان في قلب ابدا .
فتصورى يا نفس حقيقة هذا ، وان بالعلم تدركين ببصر عقلك اتصالك ببارئك ومناسبتك إياه ، فتلتذى بذلك لذة الحق ، وانه بالجهل تعدمين ذلك فتنكرينه ، وذلك لعمائك وظلمتك .
وقال أيضا : يا نفس : ان الموت الطبيعي ليس هو شيء غير غنية النفس عن الجسد ، فإذا تقررتها في علمك فتعلمى ان الرجل الحكيم العالم عند حضوره ، هو حكيم عالم في مغيبه « 3 » لن ينتقل عن حكمته وعلمه أينما توجه وأينما سلك . فتنبهى يا نفس لهذا المعنى وتيقنى أيضا بان غارس شجرة الخير وغارس شجرة الشر يختلفان ، لان شجرة الخير لن تثمر الا خيرا وشجرة الشر لا تثمر الا شرا ، فقد اتضح ضرورة وعقلا وحسا ان الشيء لا يثمر الا نوعه وشكله ولا يلد الا مثله . فهل رأيت حمارا أولد انسانا ؟ أو انسانا
هامش
( 1 ) اى النفس .
( 2 ) حصل ، النسخة البدل في الأصل للشارح .
( 3 ) عند غيبته . النسخة البدل في الأصل للشارح .