أولد فرسا ؟
فان اتضحت لك يا نفس هذه المعاني : فاطلبى العلم بحقائق الأشياء واغرسى شجرة العلم والخير لينجلى بصرك ، فتستثمرى من علمك علما ومن فعلك الخير خيرا ومن استبصارك بصيرة ونورا وهدى ، فتستكنى بذلك المحل الاعلى وتتم لك السعادة القصوى والراحة الأبدية .
أقول : قد أشرنا فيما سبق ان المعرفة في هذا العالم ينقلب مشاهدة وان العلم بحقائق الأمور وعظائم الموجودات كالبارى جل اسمه بذر ملاقاتها . فان باطن الانسان وسره يصير في القيامة ظاهره وعلنه ، ويصير بصيرته بصره الّذي به يبصر هناك ما علمه هاهنا . وكل من كان جاهلا ناسيا هاهنا ، يحشر في الآخرة أعمى وكل من الف الدنيا ومحسوساتها وشهواتها يحترق في القيامة بنار الجحيم .
وقال يا نفس : تأملى جوهرك ، واعتبرى واعلمى ان جوهرك جوهر عال شريف ، وذلك لمناسبتها جميع العوالم ، فتارة تنسب إلى عالم الطبيعة فتكون انسانية حسية مشاهدة للمحسوسات ، مشافهة للمآكل والمشارب والشهوات وجميع معاني الطبيعة ، وتارة تنسب إلى عالمها الأخص بها فتكون مدبرة ، مستعملة محركة لقوى الوهم والخيال ذات استبحاث وتأمل واختيار وإرادة .
فهذه المعاني : هي معاني النفس والحياة المنبثة في جميع ما يحتوى عليه ملكوت النفس ، وتارة تنسب إلى عالم العقل فيكون منتزعة الصور من الهيولى مدركة للبسائط الأولى مميزة مصورة عاقلة لجميع المعاني الفاردة ، وتارة تنسب إلى العالم الإلهي فيكون فاعلة للخير والجود أمارة به خالية من الشر والجور ، حكيمة الافعال متقنة الاعمال .
ومن أوضح الدلالة على أنها تنتسب إلى العلة الأولى ، انها تسمو إلى الإحاطة بجميع الأشياء التي تحوى عليه الملكوت الأعظم ، وانها لن تلقى مستقرة راضية تامة الرضا دون ان يبلغ العالم العقلي بجميع ما فيه ، فحينئذ تلقى تامة مستقرة تامة الرضا .
وقال يا نفس : ان القليل من العلم مع العلم به خير من كثير العمل مع قلة العلم به ، انتهى ما استخرجنا من كلام هذا الحكيم .
شرح أصول الكافي — صفحة 106
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٠٦