الرحمن يقلبه كيف يشاء ، وانما خص ذلك بالمؤمن إذ الكافر لا قلب له . ودل هذا الكلام على فضيلة العلم للتميز الحاصل بين الادراك العقلي والادراك الحسى .
فالأول امر رباني لا يتصور الانفكاك عنه لمن كان له ولا الاعراض عنه أو النسيان له بالاختبار بخلاف الادراكات الحسية ، فدل على أن العلم ليس من جنس الحس ولا العقل من عالم البدن .
وقال أرسطو : سلطان العقل على باطن العاقل أشد تحكما من سلطان السيف على ظاهر الأحمق « 1 » ، وقال : العقل لا يألم في طلب معرفة الأشياء بل الجسد يسأم ويألم ، واخذ يوما تفاحة فقال : ما الطف قبول هذه الهيولى لصورتها وانفعالها لما يؤثر الطبيعة فيها من الاصباغ والروائح والطعوم التي هي دلائل وآثار لروحانياتها حسب « 2 » تمثيل النفس لها ، كل ذلك دليل على ابداع مبدع الكل وآله الكل . وقيل : والطف منها قبول هذه النفس الانسانية العلامة لصورتها العقلية وانفعالها لما يؤثر العقل الكل « 3 » فيها من العلوم الروحانية حسب تمثيل العقل إياها ، وكل ذلك دليل على ابداع مبدع الكل وآله الكل .
قال الشيخ اليوناني وهو من قدماء الفلاسفة : كما أن البدن الخالي من النفس يفوح منه نتن الجيفة ، كذلك النفس الخالية من العلم والأدب يختبر « 4 » نقصها بالكلام والافعال .
أقول : ويظهر خبثها ونجاستها وموتها على مشام أهل العقل ولهذا قال تعالى :
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ
( التوبة - 28 ) ، وقال :
إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى *
( النمل - 80 ) .
وقال أفلاطون : علة هبوط النفس إلى هذا العالم سقوط ريشها ، فإذا ارتاشت ارتفعت « 5 » إلى عالمها الأول .
هامش
( 1 ) هذه وما بعدها في كتاب الملل والنحل من حكم الإسكندر الرومي .
( 2 ) فيها من الأوضاع الروحانية : من تركيب بسيط وبسط مركب ، حسب « الملل » .
( 3 ) النفس الكلية « الملل » .
( 4 ) يحس « الملل » .
( 5 ) ارتقت ( اثولوجيا ) .