وقال بعض الفضلاء : لا شك ان الانسان أفضل الحيوانات وليست تلك الفضيلة لقوته وصورته ، فان كثيرا من الحيوانات يساويه أو يزيد عليه ، فاذن ليست تلك الفضيلة الا اختصاصه بالمزية النورانية واللطيفة الربانية التي لأجلها صار مستعدا لادراك حقائق الأشياء والاطلاع عليها والاشتغال بعبادة اللّه على ما قال :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( الذاريات - 56 ) .
وأيضا الجاهل كأنه في ظلمة شديدة لا يرى شيئا البتة ، والعالم كأنه يطير في أقطار الملكوت ويسبح في بحار المعقولات فيطالع الموجود والمعدوم والواجب والممكن والمحال . ثم يعرف انقسام الممكن إلى الجوهر والعرض والجوهر إلى البسيط والمركب ، ويبالغ في تقسيم كل منها إلى أنواعها وأنواع أنواعها وتحليلها إلى اجزائها واجزاء اجزائها والجزء الّذي به يشارك غيره ، والجزء الّذي به يمتاز عن غير حتى ينتهى في الضرب الأول إلى الأجناس البسيطة العالية ، وفي الضرب الثاني إلى الفصول البسيطة القاصية ، ويعرف اثر كل شيء ومؤثره ومادته وصورته وجنسه وفصله ، ولازمه وملزومه وواحده وكثيره حتى يصير عقله كالنسخة المعقولة المأخوذة من جميع الموجودات أثبت فيها صور جميع المعلومات بتفاصيلها واقسامها .
فأي سعادة فوق هذه الدرجة سيما وقد علمت أن علوم الانسان يصير في القيامة أعيانا خارجية فيكون له في ذاته عالم عظيم مفارق مصفى عن كل درن وظلمة وآفة وشر تحت حيطته وتصرفه يفعل فيه ما يريد . وهذا هو الملك الدائم الّذي لا يزول والجاه الرفيع الّذي لا يرتفع .
ثم إنه بعد صيرورته كذلك تصير مكملة للناقصين جاعلة للنفوس الجاهلة عالمة ، فيصير كالشمس في عالم الأرواح سببا للحياة الأبدية لسائر النفوس . فيكون كبعض الملائكة واسطة بين اللّه وبين عباده في نفخ روح الحياة العقلية على قوابل نفوسهم ، ولذا قال تعالى :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ
( النحل - 2 ) ، فالعلم حياة النفس .
والمفسرون فسروا هذا الروح بالعلم والقرآن ، فكما ان البدن بلا روح اى نفس ،