ميت فاسد فكذا الروح بلا علم ميت . ونظيره قوله تعالى :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا
( الشورى - 52 ) ، وقوله :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً
( الانعام - 122 ) . . . الآية . فالعلم روح الروح ونور النور ولب اللب .
ومن خواص هذه السعادة انها تكون باللّه آمنة من الفساد والتغير ، فان التصورات الكلية لا يتطرق إليها الزوال والتغير . فإذا كانت هذه السعادة في نهاية الجلالة في ذاتها ، ثم إنها باقية ابد الآباد ودهر الداهرين كانت لا محالة أكمل السعادات .
وأيضا ان الأنبياء صلوات اللّه عليهم ما بعثوا الا للدعوة إلى الحق ، قال تعالى :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
( النحل - 125 ) . . . الآية ، وقال :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي
( يوسف - 108 ) .
ثم خذ من اوّل الامر فإنه سبحانه لما قال :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
، فلما قالت الملائكة
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
، قال سبحانه
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
( البقرة - 30 ) ، فأجابهم بكونه سبحانه عالما فلم يجعل سائر صفات الجلال من القدرة والإرادة والسمع والبصر والوجوب والقدم والاستغناء جوابا لهم ، وذلك يدل على أن صفات الجلال والكمال وان كانت في نهاية الشرف الا ان صفة العلم اشرف .
ثم إنه سبحانه لما أراد ان أقام الحجة عليهم في استحقاق آدم منصب الخلافة ، انما اظهر فضيلته عليهم بالعلم . وذلك أيضا يدل على أن العلم اشرف من العمل سيما عمل الملائكة ، وهو التسبيح والتقديس ، ثم إنه تعالى لما اظهر علمه جعله مسجودا للملائكة وخليفة العالم السفلى وهو يدل على أن تلك المرتبة انما استحقها آدم عليه السلام بالعلم .
ثم إن الملائكة افتخرت بالتسبيح والتقديس ، والافتخار بهما انما يحصل لو كانا مقرونين بالعلم . واما ان حصلا بدون العلم كان ذلك نفاقا والنفاق اخس المراتب ، وان وقعا تقليدا ، فالتقليد مذموم . فثبت ان تسبيحهم وتقديسهم انما صارا موجبا للافتخار ببركة العلم .
ثم آدم عليه السلام انما وقع عليه اسم المعصية لأنه أخطأ في مسألة واحدة