عبادة الاجراء أو عبيد الغلة ، فيطلبون منه غيره من قضاء شهوة أو دفع ألم ، فأولئك ليسوا أحباء اللّه وأوليائه .
واما العلماء باللّه فهم أولياء اللّه على الحقيقة لأنهم
بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
( المائدة - 54 ) ، ولولا وجودهم في الأرض لتنوير قلوب الناس وتطهير نفوسهم عن الأرجاس والأدناس لقذفت السماوات وبالأعلى من في الأرض ، لأنها تطحن بدورانها حبوب الكائنات ومواليد الظلمات ليصير بالتلطيف والتصفية أغذية للصالحات من النفوس العائدات إلى جوار اللّه .
فسبحان الّذي برزت له الذوات الصالحات وخرجت من ظلمات الهياكل ومضائق الأبدان إلى فسحة أنوار القدس وأضواء الرحمن . ولنمسك عنان القلم عن صوب هذا النحو من الكلام ، لأنه مما يشمئز عنه طباع الأكثرين وربما يحرك سلسلة الحمقى المجانين ولنصرفه إلى منهج السماع الحسى ، لان الجماهير أطوع للحس والرواية منهم للبرهان والدراية .
فنقول : دلائل فضيلة العلم من طريق النقل عن الكتاب والسنة وآثار السلف كثيرة لا يعد ولا يحصى ولنذكر جملة منها : اما من الكتاب فوجوه :
الأول : انه تعالى سمى العلم بالحكمة ، ثم إنه عظم امر الحكمة في كثير من مواضع القرآن ، فذلك يدل على عظم شأن العلم اما بيان الأول : فهو ان المفسرين قالوا : ان الحكمة جاءت في القرآن على أربعة وجوه : أحدها مواعظ القرآن قال في البقرة :
وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ
( البقرة - 231 ) ، وفي النساء :
وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
( النساء - 113 ) ، يعنى المواعظ ، ومثلها في آل عمران .
وثانيها : الفهم والعلم قوله :
وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
( مريم - 12 ) ، وفي لقمان :
وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ
( لقمان - 12 ) ، يعنى الفهم والعلم ، وفي الانعام :
أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ
( الانعام - 89 ) .
وثالثها النبوة ، في النساء :
فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
( النساء - 54 ) ،