الشهوة والغضب فهو بمعزل عن الفرح والسرور ، لأن هذه كلها آفات وامراض طرأت على النفس ولأجلها تستدعى النفس ما يسكن لهبها وكربها من الاكل والشرب والجماع وغير ذلك من الشهوات الدنيوية ، فزعم الجاهل ان هذه لذات حقيقية وسمى ما يحصل له عقيب انفعاله عنها فرحا وسرورا من باب الغلط والاشتباه فيحصل بسببه الغرور كما قال تعالى :
أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ، وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ
( الحديد - 20 ) .
ومنشأ هذا الغلط وهذه التسمية عدم وجدان ما هو اللذة والسرور بالحقيقة وعدم الاطلاع على أن اللذات الدنيوية كلها من اكل الطيب وشرب العذب ولبس اللين وركوب الهملج « 1 » وقهر العدو والتمتع بالحسناء في الحقيقة حاجات متبعة وضرورات مزعجة وخصوصا عند العقلاء والمتيقظين من العلماء لان الاكل والشرب انما هو لدفع ألم الجوع والعطش واللبس لدفع ألم الحر والبرد والركوب لمنع « 2 » ألم المشي وقهر العدو لطلب التشفي من ألم الغيظ والنكاح انما يعد لذة لدفع حرقة الشهوة في مجارى القضيب والفرج بورود المنى عليها كالمرهم على الجراحة فيسكن بها المها .
ثم مع ذلك انما تحصل هذه المسماة باللذة بمباشرة عضو من حقه ان يستر ويستحى من كشفه وخصوصا من الرجال العقلاء الذين يكرهون ان يكشفوا عن سواعدهم مثلا ، ففي تلك الحال يحتاج الفاعل إلى كشف عضوه المستور ويضطر إلى كشف مثله من المفعول ، فما اخس هذه اللذة عند العاقل المتيقظ وما أوهنها عليه وأقبحها عنده وافضحها لديه ! ثم الحاجة غير طيبة ولا لذيذة في نفسها .
وهذه الأحوال كلها حاجات منشأها نقائص وآفات ، والحاجات والآفات كلها الام ومحن ولو كانت فيها فضيلة لما تنزهت عنها الملائكة المكرمون المقربون . وفي
هامش
( 1 ) البرذون - مشى مشية سهلة في سرعة .
( 2 ) لدفع ( النسخة البدل في الأصل للشارح ) .