والاستعلاء إلى حضيض الاستكانة والحاجة والفاقة ، ولهذا ورد : من لم يسأل اللّه يغضب عليه .
فاذن ثبت كونه من اجل المقامات وأفضل الحالات والاستنكاف الّذي ضده من أرذل المقامات واخس الحالات الدالة على تناهى الجهل وغاية الحمق .
قوله عليه السلام : « والنشاط وضده الكسل والفرح وضده الحزن » .
في الحديث : فكأنما انشط من عقال ، اى حل من عقدة ، وكثير ما يجيء في الرواية : كأنما نشط من عقال ، وليس بصحيح ، يقال : نشطت العقدة إذا عقدتها وانشطتها إذا حللتها ، ويقال : نشطت الدلو من البئر إذا جذبتها ورفعتها أليك ، وفي الرواية : بايعت النبي صلّى اللّه عليه وآله على المنشط والمكره ، المنشط مفعل من النشاط وهو الامر الّذي تنشط له وتخف إليه وتؤثر فعله وهو مصدر بمعنى النشاط وتنشطت الدابة في سيرها شدت ، والمراد هاهنا النهوض للعبادة على وجه الخفة والسهولة .
والكسل التثاقل من الامر ، وقد كسل بالكسر فهو كسلان وقوم كسالى وامرأة مكسال لا يكاد تبرح مجلسها ، فاذن النشاط والخفة للسلوك والسير الحثيث إلى اللّه تعالى والعود إلى حظيرة القدس والمأوى من شأن العقل .
والتثاقل إلى الأرض للرضاء بالحياة الدنيا من الآخرة والاخلاد إلى ارض الأبدان والأجساد لاستيفاء الهوى وقضاء الشهوة من عادة الجهل ، والفرح معناه السرور والنشاط ، والفرح أيضا بمعنى البطر وهو مذموم ،
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
( القصص - 76 ) ، والمراد هاهنا الأول والحزن خلافه ، والوجه في كون الفرح من صفات العقل لأنه من لوازم ادراك المحبوب ، وكلما كان المطلوب اشرف وأعلى فادراكه وادراك صفاته وافعاله وآثاره ألذ وأبهج وفرحان المدرك به أشد وأكثر .
فالعارف افرح خلق اللّه واهشهم وهو فرحان بالحق وبكل شيء ، لأنه يرى كل شيء من الحق راجعا إليه لأنه ينظر إلى الأشياء بنور ربه الّذي هو نور السماوات والأرض .
واما الجاهل الّذي لم يدرك الأشياء الا من طرق الحواس ولم يطلبها الا بطريق