يستقبل ؟ قال : بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير ، قال : ففيم العمل ؟ قال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، وكل عامل بعمله منبه على ما قلناه ، فان النبي صلّى اللّه عليه وآله علقهم بين الامرين رهبهم بسابق القدر ثم رغبهم في العمل ولم يترك أحد الامرين للآخر فقال : كل ميسر لما خلق له ، يريد انه ميسر في أيام حياته للعمل الّذي سبق إليه القدر قبل وجوده ، الا انك يجب ان تعلم الفرق بين الميسر والمسخر كيلا تغرق في لجة القضاء والقدر وكذا القول في باب الرزق والكسب .
والحاصل : ان الأسباب والوسائط والروابط معتبرة في جميع أمور هذا العالم ، ومن جملة الوسائط والوسائل في قضاء الأوطار الدعاء والالتماس كما في الشاهد ، فلعل اللّه سبحانه قد جعل دعاء العبد سببا لبعض مناجحه « 1 » ، فإذا كان كذلك فلا بد ان يدعو حتى يصل إلى مطلوبه ، ولم يكن شيء من ذلك خارجا عن قانون القضاء السابق « 2 » وناسخا للكتاب المسطور ، انتهى كلامه .
واما قوله : الاشتغال بالدعاء ينافي الرضاء بالقضاء الّذي هو اجل مقامات الصديقين فالجواب : انه انما ينافيه لو كان لأجل حظوظ النفس ، واما إذا كان الداعي عارفا باللّه عالما بأنه لا يفعل الا ما وافق مشيته « 3 » ودعا امتثالا لامر مولاه في قوله :
ادْعُونِي
ونحوه من غير أن يكون في دعائه حظ من حظوظ نفسه فلا منافاة بينهما . واما قوله : الدعاء شبيه بالامر والنهى ففي غاية الركاكة ، فان صيغة افعل ولا تفعل مشتركة بين الطلب على صفة الاستعلاء والتسلط فيقال لها الامر والنهى وبين ما يكون على هيئة الخضوع والتسفل فيقال لها الدعاء .
فلا شك ان الدعاء اظهار الذل والانكسار والاقرار بسمة العجز والافتقار وتصحيح نسبة العبودية والانغماس في غمرات النقصان الامكاني والاملاس « 4 » عن الترفع
هامش
( 1 ) اى حوائجه .
( 2 ) بل هذا الدعاء أيضا من القضاء .
( 3 ) ومشيته مطابقة لاقتضاء الأعيان الثابتة .
( 4 ) اى تخلص وأفلت - وملس الرجل بلسانه : داهنه وتملقه .