فكذلك سماء قلب العارف لكونه مزينا بزينة كواكب العلوم والمعارف معمورا بذكر اللّه محفوظا لا يقدر الشيطان على دخوله ولا يختطفه اتباعه وجنوده .
فان القلب خزانة من خزائن اللّه والخزانة محروسة بحراسة اللّه وانما جولان لصوص الشيطان في ميادين الصدور « 1 » كقوله تعالى :
الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
( الناس - 5 و 6 ) ، وقوله :
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى
، يعنى إذا وصلتم إلى كعبة القلب فاجعلوا مقام الخلة والمحبة معبدكم ومقام توجهكم فيكون قصدكم وذهابكم إلى لا إلى ما سواي كقوله :
فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ
( آل عمران - 95 ) ، وكانت ملته وطريقته ما قال :
إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ
( الصافات - 99 ) .
ومما يدل على المعنى الّذي أشير إليه قوله :
وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
( البقرة - 125 ) ، إذ الإشارة فيها انه لما شرف اللّه البيت بالإضافة إلى نفسه بقوله :
بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ
، أكرمه بكرامات مخصوصة عن غيره من المساجد .
الأول : انه كان اوّل بيت وضع للناس من بيوت اللّه .
الثاني : عين موضعه ببكة خير المواضع بارشاد جبرئيل ، وقد خلق اللّه موضع البيت قبل الأرض ، قال أبو جعفر عليه السلام : لما أراد اللّه عز وجل ان يخلق الأرض امر الرياح فضربن متن الماء حتى صار موجا ثم ازبد فصار زبدا « 2 » فجمعه في موضع البيت ، ثم جعله جبلا من زبد ثم دحى الأرض من تحته وهو قول اللّه عز وجل :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ
( آل عمران - 96 ) ، فأول بقعة خلقت من الأربعة الكعبة ثم مدت الأرض من تحتها .
والثالث : امر خليله عليه السلام ببنائه بيده .
والرابع : جعله مباركا على زواره ومستقبليه .
هامش
( 1 ) اما الصدر فباعتبار الوجه الّذي يلي البدن لكونه مصدر أنواره وتصدره عن البدن .
( 2 ) زبدا وأحدا « يه » .