واعلم : انه كما لا يتوجه الوجه إلى جهة البيت الا بالصرف عن غيرها فكذلك لا ينصرف وجه القلب إلى اللّه الا بالفراغ عن ما سوى اللّه .
واما القيام : فليكن على ذكرك خطر القيام بين يدي اللّه في القيامة وفي هول المطلع عند التعرض للحساب .
واعلم : انك في الحال قائم بين يدي اللّه وهو مطلع عليك ، فقم بين يديه قيام عبد ذليل بين يدي ملك عظيم من ملوك الزمان ، فإنه تهدأ « 1 » أطرافه وتخشع جوارحه وتسكن جميع اجزائه خيفة سطوته وغضبه ، وإذا أحسست من نفسك بتماسك جوارحك وهدو اطرافك عند من تريد ان يعرفك بالصلاح وهو عاجز مسكين مثلك فعاتب نفسك وقل : انك تدعى معرفة اللّه وحبه ، أفلا تستحيي في استجرائك عليه مع توقيرك عبدا عاجزا من عباده وتخشى الناس ولا تخشى معبودك وهو أحق ان تخشاه ؟
واما التكبير : فإذا نطق لسانك به فينبغي ان لا يكذبه قلبك ، فان هواك أغلب عليك من امر اللّه وأنت أطوع له منك للّه فقد اتخذته إلها وكبرته ، فيوشك ان يكون قولك : اللّه أكبر ، كلاما باللسان المجرد دون موافقة القلب . فشهد اللّه عليك بالكذب كما شهد على المنافقين في قولهم :
إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
( المنافقون - 1 ) ، فما أعظم الخطر في ذلك لولا التدارك بالاستغفار والاعتراف بالذنب وحسن الظن بكرم اللّه وعفوه ! واما القراءة : فالناس على ثلاثة أقسام : السابقون وهم المقربون ، وأصحاب اليمين وهم أهل الجنة ، وأصحاب الشمال وهم المبعدون وأهل النار ، فرجل يتحرك لسانه وقلبه غافل بل مشغول إلى الفكر في اغراض نفسه ومعاملاته وتجاراته وخصوماته ونحوها ، ورجل يتحرك لسانه بالتلفظ وقلبه يتبع لسانه فيسمع منه ويفهم من الالفاظ معانيها وهو درجة أصحاب اليمين ، ورجل يسبق قلبه إلى المعاني أولا ثم يخدم اللسان قلبه فيترجمه ، وفرق بين ان يكون اللسان ترجمان القلب وبين ان يكون معلم القلب ، فالمقربون لسانهم ترجمان القلب فلا يتبعه قلبهم .
فإذا قلت : أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ، فادفع وساوسك وعجبك عن نفسك
هامش
( 1 ) اى يسكن .