مجعولاته بريئة عن هذه الأجسام الكثيفة منزهة عن المكان والجهة . واللّه سبحانه وتعالى أشد علوا وبراءة وتنزها عن الاحياز والجهات من كل الجواهر المفردة المفارقة الذوات عن الأجسام والجهات والاحياز والابعاد والأزمنة والأوقات ، فما هو كذلك فمناجاته بظاهر الشكل والهيكل من امحل المحالات .
فإذا قوله صلّى اللّه عليه وآله : المصلى مناج ربه ، أراد بالمصلى العقل العارف وبالمناجاة عرفانه كلام اللّه واستماعه بالسمع العقلي لما ألقاه وألهمه به كما روى عنه أنه قال صلّى اللّه عليه وآله : ان في أمتي محدثين مكلمين ، فالقسم الباطني الحقيقي وهو روح الصلاة وسره عبارة عن توجه وجه السر إليه تعالى وتضرع العقل العارف العالم بوحدانية الحق تعالى وبعظمته وجلاله ولطفه وجماله وكرمه وأفضاله بالخشية والخضوع والهيبة والخشوع .
فالذوات العاقلة والنفوس الكاملة يشاهدون الحق مشاهدة عقلية ويبصرون الا له بصيرة ربانية لا رؤية جسمانية ويسمعون كلامه بسمع قلبي لا بقرع أصوات ويفهمون منه الخطاب ويردون الجواب ، وهم رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه يدعون ربهم خوفا وطمعا ، ويلتمسون من إلههم فك الأسير وجبر الكسير ويستدعون من ربهم تكميل نفوسهم بمشاهدته واتمام النور والسعادة بمعرفته والامر العقلي والفيض القدسي من عالم الأسماء ومعدن القضاء إلى حيز ذواتهم ومنزل نفوسهم بهذه الصلاة والذكر الحقيقي والتعبد العقلي ، ومن صلى هذه الصلاة خلص من عذاب حبس هذا الوجود الطبيعي ونجى من أسر هذه القوى الحيوانية وارتقى إلى المدارج العقلية والمعارج الربانية وإليه الإشارة بقوله عز وجل :
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ
( العنكبوت - 45 ) .
فقد بان وتحقق لك ان الصلاة قسمان وعلمت أن كل قسم منها على من يجب .
وان القسمين جميعا يجب على العارف ما دام روحه في الدنيا وان الروحاني أشد وجوبا على روحه من الجسماني على بدنه ، وإذا ارتحل عن الدنيا وفارق المنزل الأدنى لم يزل عنه الصلاة الأخرى بل انقلبت معرفته مشاهدة وصار علمه عينا وذكره حضورا ،